الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

17

نفحات القرآن

فجاءه الخطاب قائلًا : « لا ينال عهدي الظالمين » ، أيأن النفر من ذرّيتك الذين لم يظلموا ، وكانوا معصومين ومطهرين هم المؤهلون لهذا المنصب فقط . لا شك في أنّ الظلم في هذه العبارة ليس ظلم الآخرين فحسب ، بل الظلم بالمعنى الشامل الذي يقابل العدالة ، و « العدالة » بمفهومها الواسع تعني وضع الشيء في محله ، والظلم يعني وضعه في المحل الذي لا يناسبه ، لذا ينقل القرآن الكريم عن لسان لقمان حيث يقول لابنه : « يَا بُنَىَّ لَاتُشْرِكْ بِاللَّهِ انَّ الشِّركَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ » . ( لقمان / 13 ) كما يتضح أنّ العدالة هنا تعني العدالة التامة ، أو بتعبير آخر مقام العصمة الذي يتناسب والإمامة بمفهومها الشامل ، وإلّا فالعدالة القابلة للنقص والاقتران بالذنب لا تتلائم مع مقام الإمامة بمعناها الرفيع أبداً . وبناءً على ذلك يمكن الاستدلال بالآية أعلاه لإثبات عصمة الإمام أيضاً ، بَيدَ أنّ الكلام في الصفات هل يكون مقروناً بالعدالة وترك جميع أشكال الذنب مدى الحياة ، أم أثناء التصدي للإمامة ؟ فالبعض واستناداً إلى البحث الأصولي المشهور من أنّ في المشتق الحقيقي « من تلبس بالمبدأ » هو في حال النسبة - أيحينما ننسب صفة من الصفات لأحد يجب أن يمتلك تلك الصفة في حال نسبتها إليه ، فمثلًا تطلق كلمة القائم على الذي يتمتع بصفة القيام أثناء نسبة هذه الصفة إليه ، ولا تطلق على الذي كان قائماً وقد جلس الآن - يعتقد أنّ مفهوم الآية هو عدم تمتعه بصفة الظلم أثناء توليه الإمامة ، لا بشرك ولا بذنب ، وليس ملوثاً بأي معصية أخرى ، وعليه فالعدالة والعصمة لا تشمل بداية الحياة . إلّا أننا نقرأ في الروايات أنّ أئمّة أهل البيت عليهم السلام واتباعاً لرسول اللَّه صلى الله عليه وآله قد استدلوا بهذه الآية على العدالة في جميع مراحل العمر : إذ ينقل عبد اللَّه بن مسعود عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله أنّ اللَّه تعالى قال لإبراهيم عليه السلام : « لا أعطيك عهداً للظالم من ذريتك ، قال : ياربّ ومن الظالم من ذرّيتي الذي لا ينال عهدك ؟ قال من سجد لصنم من دوني لا اجعله إماماً أبداً ولا يصلح أن يكون إماماً » « 1 » .

--> ( 1 ) أمالي الشيخ المفيد ، ( مطابق لنقل تفسير البرهان ج 1 ، ص 151 ح 13 ) .