الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

14

نفحات القرآن

التكاليف الثقيلة والصعبة على كاهل إبراهيم عليه السلام ، ليتمحص - جيداً - في الابتلاء ، وهي عبارة عن التصدي الشجاع لعبدة الأوثان ، وتحطيم الأصنام ، وإلقائه في النار ، والاستقامة والثبات في جميع هذه المراحل . وكذلك الاستعداد للتضحية بفلذة كبده ، والتوجه به إلى مكان الذبح ووضع السكين على رقبته ، ولم ينشغل بعياله وتركهم في صحراء مكة القاحلة الرمضاء ، غير المسكونة ، وأخيراً الهجرة من بلاد عبدة الأوثان والتخلي عن الحياة من أجل أداء رسالته ، وحقاً أنَّ كلًا منها كان اختباراً قاسياً وصعباً ، إلّاأنّ إبراهيم قد خرج من جميع تلك الاختبارات ظافراً وذلك بفعل قوة الإيمان والثبات والصبر . وقد أحصى بعض المفسرين الموارد التي ابتلي بها إبراهيم أنّها بلغت ثلاثين ابتلاءً ، ويقولون : إنّ هذه الموارد الثلاثين قد ذُكرت في ثلاثة آيات من القرآن الكريم ، فقد ذُكرت « عشرة منها » في الآية 13 من سورة التوبة ، و « عشرة » في الآية 35 من سورة الأحزاب ، وذُكرت « عشرة منها » في الآيات 1 إلى 9 من سورة « المؤمنون » إذ يصبح مجموعها ثلاثين وصفاً أو ثلاثين مادة امتحانية « 1 » ولكن نظراً إلى أنّ جانباً مهماً من هذه الصفات قد تكرر ذكره وأنّ عددها لا يصل إلى الثلاثين ، فإنّ هذا الكلام لا يحظى بالقبول نوعاً ما . على أيّة حال فقد خرج إبراهيم بطل تحطيم الأصنام ، والنبي المخلص والمضحي ظافراً من جميع تلك الابتلاءات القاسية والصعبة فاستحق ارتداء جلباب الإمامة ، وشرفه اللَّه بهذا الخطاب المفعم بالفخر : « انِّى جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ امَامَاً » . ما هو هذا المقام الذي ناله إبراهيم في آخر عمره بعد نيله مقام النبوة والرسالة ، وبعد ذلك الجهاد الطويل ؟ من المسلم به أنّه كان أسمى وأرفع منها جميعاً ، فمن اجتاز ذلك الاختبار الصعب يستحق هذه المكرمة الإلهيّة .

--> ( 1 ) تفسير روح المعاني ، ج 1 ، ص 335 ( وقد أضاف عليها بعض المفسرين سورة المعارج وقالوا : إنّها جاءت فيأربع سورٍ من القرآن ) .