الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
8
نفحات القرآن
بدأ الإسلام بشخصية الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وقد بعثهُ اللَّه سبحانه وتعالى بالرسالة وهو في الأربعين من عمره الشريف ، ثم آمنت به السيدة خديجة عليها السلام ، وبعدها أمير المؤمنين علي عليه السلام ، حيث كانت دعوة الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله في المرحلة السرية ، وكان قبل ذلك في السنين الثلاث لم يعلن دعوته إلّالمن يثق به . أمّا بعد تلك السنوات الثلاث ، وعندما نزلت الآية الكريمة : « وَأَنْذِرِ عَشيرَتَكَ الأقرَبين » . ( الشعراء / 214 ) أعلن رسول اللّه صلى الله عليه وآله دعوته أمام الناس ، فصَعدَ على جبل الصفا ودعا أقرباءه وأعدّ لهم وليمة ، وفي ذلك اليوم كان المسلمون يعدون بالأصابع « 1 » . وقد أقيمت الوليمة مرّتين ، إذ في المرة الأولى لم يُعطِ أبو لهب النبي صلى الله عليه وآله فرصة للكلام ، وفي المرة الثانية سخروا من كلامه صلى الله عليه وآله والتفتوا لأبي طالب قائلين له : « قد أمرك أن تسمع لابنك وتطيع » . وفي هذه المأدبة كان النبي الأعظم صلى الله عليه وآله يرى بعين الغيب انتشار الإسلام الأكيد ، حتى أنّه عيّن خليفة ووارثاً له فيها « 2 » . ولم تمضِ مدّة طويلة حتى أدرك رؤساء مكة أنّ محمداً صلى الله عليه وآله قد أضاء أفكار الناس وأيقظهم وأثبت عدم صحة عبادة الأوثان ولزوم الإيمان بخالق الكون ، فأحسّوا بالخطر عندما ترسخت دعوته ، لأنّ منزلتهم الاجتماعية وعائداتهم المالية كانت مرتبطة إلى حد ما بتلك الأفكار والأعراف الجاهلية ، حتى أنّهم ذهبوا إلى أبي طالب راجين منه رفع اليد عن حماية محمد صلى الله عليه وآله أو المصالحة بينهم وبين محمد صلى الله عليه وآله أو إصلاحه ، وقالوا : « يا أبا طالب إنّ ابن أخيك قد سَبَّ آلهتنا وعابَ ديننا وسفّهَ أحلامنا وضلل آباءنا فإمّا أن تكفَّهُ عنّا وإمّا أن تخلّي بيننا وبينهُ » « 3 » . ولكنَّ أبا طالب عليه السلام قال لهم قولًا جميلًا وردهم ردّاً رقيقاً ، وأخذ الإسلام يشق طريق
--> ( 1 ) الكامل لابن الأثير ، ج 1 ، ص 486 ، طبع دار احياء التراث العربي ؛ وتاريخ الطبري ، ج 2 ، ص 61 . ( 2 ) تفسير جامع البيان ، ج 2 ، ص 63 . ( 3 ) سيرة ابن هشام ، ج 1 ، ص 283 ، ط مصر ؛ الكامل لابن الأثير ، ج 1 ، ص 488 ؛ والطبري ، ج 2 ، ص 65 .