الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
67
نفحات القرآن
نقيم صلاة الجماعة في المحيط على ظهر السفينة ! واللَّه يعلم - أنّه لم يكن بنا أن نقيم الصلاة لذاتها أكثر ممّا كان بنا حماسة دينية إزاء مبشر كان يقوم بمزاولة عمله على ظهر السفينة ، وحاول أن يزاول تبشيره معنا ! . . . وقد يسَّر لنا قائد السفينة - وكان انجليزياً - أن نقيم صلاتنا ، وسمح لبحارة السفينة وطهاتها وخدمتها - وكلهم نوبيون مسلمون - أن يصلي معنا من لا يكون في ( الخدمة ) وقت الصلاة ! وقد فرحوا بهذا فرحاً شديداً ، إذ كانت المرة الأولى التي تقام فيها صلاة الجماعة على ظهر السفينة . . . وقمت بخطبة الجمعة وإمامة الصلاة ، والركاب الأجانب معظمهم - متحلقون يرقبون صلاتنا ، وبعد الصلاة جاءنا كثيرون منهم يهنئوننا على نجاح ( القدّاس ) ! فقد كان هذا أقصى ما يفهمونه من صلاتنا ! ولكن سيدة من هذا الحشد - عرفنا فيما بعد أنّها يوغسلافية مسيحية هاربة من جحيم تيتو وشيوعيته ! - كانت شديدة التأثر والانفعال تفيض عيناها بالدمع ولا تتمالك مشاعرها جاءت تشد على أيدينا بحرارة ، وتقول : - في إنجليزية ضعيفة - أنّها لا تملك نفسها من التأثر العميق بصلاتنا هذه وما فيها من خشوع ونظام وروح ! . . . وليس هذا موضع الشاهد في القصة . . . ولكن ذلك كان في قولها : أي لغة هذه التي يتحدث بها ( قسيسكم ) ! فالمسكينة لا تتصور أن يقيم ( الصلاة ) إلّاقسيس - أو رجل دين - كما هو الحال عندها في مسيحية الكنيسة ! وقد صححنا لها هذا الفهم ! وأجبناها : فقالت : إنّ اللغة التي يتحدث بها ذات ايقاع موسيقي عجيب ، وإن كنت لم أفهم منها حرفاً . . . ثم كانت المفاجأة الحقيقية لنا وهي تقول : ولكن هذا ليس الموضوع الذي أريد أن أسأل عنه . . . إنّ الموضوع الذي لفت حسي ، هو أن ( الإمام ) كانت ترد في أثناء كلامه - بهذه اللغة الموسيقية - فقرات من نوع آخر غير بقية كلامه ! نوع أكثر موسيقية وأعمق ايقاعاً . . . هذه الفقرات الخاصة كانت تحدث فيَّ رعشة وقشعريرة ! إنّها شيء آخر ! كما لو كان الإمام - مملوءاً من روح القدس ! حسب تعبيرها المستمد من مسيحيتها ! وتفكرنا قليلًا ، ثم أدركنا أنّها تعني الآيات القرآنية التي وردت في أثناء خطبة الجمعة وفي أثناء الصلاة ! وكانت - مع ذلك - مفاجأة لنا تدعو إلى الدهشة ، من سيدة لا تفهم مما نقول شيئاً « 1 » !
--> ( 1 ) تفسير في ظلال القرآن ، ج 4 ، ص 422 .