الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
62
نفحات القرآن
اجتمع كل من ( ابن أبي العوجاء ) ، و ( أبي شاكر الديصاني ) ، و ( عبد الملك البصري ) ، و ( ابن المقفع ) وقد كانوا جميعاً من الملحدين الذين لا إيمان لهم ، اجتمعوا إلى جوار الكعبة واخذوا يسخرون من أعمال الحجاج ويوجهون الطعن إلى القرآن . قال ابن أبي العوجاء : هَلمُّوا جميعاً لينقض كل واحد منّا ربعاً من القرآن ونأتي بشيء مثله ، وسيكون موعد لقائنا في السنة الآتية في هذا المكان ، عندما ننقض القرآن بأكمله ، لأن نقض القرآن هو السبب المؤدي إلى إبطال نبوة محمد صلى الله عليه وآله وإبطال نبوته هو إبطال للإسلام وإثبات لأحقية ادّعائنا ، فاتفقوا وتفرقوا على ذلك . وفي السنة المقبلة ، وفي اليوم نفسه اجتمعوا إلى جوار الكعبة وأخذ ابن أبي العوجاء يحدثهم ويقول : منذ اليوم الذي تركتكم وابتعدت عنكم ، كُنت أفكر في هذه الآية : « فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنهُ خَلَصُوا نَجِيّاً » . ( يوسف / 80 ) فوجدتها على جانب كبير من الفصاحة والغزارة المعنوية بحيث إنني لم أتمكن من أن أضيف شيئاً إليها ، إضافة إلى أنّ هذه الآية شغلت ذهني عن التفكير بغيرها . وأمّا عبد الملك فقال : وأنا كذلك كنت أفكر في هذه الآية حينما افترقت عنكم : « يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُربَ مَثَلٌ فاستَمِعُوا لَهُ إنَّ الَّذِينَ تَدعُونَ مِن دُونِ اللَّه لَنْ يَخلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجتَمَعُوا لَهُ وإِنْ يسَلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيئاً لَّايَستَنقِذُوهُ مِنُه ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالمَطلُوبُ » . ( الحج / 73 ) وقد وجدت نفسي عاجزاً عن الإتيان بمثلها . وقال أبو شاكر : منذُ ذلك الوقت الذي ابتعدت عنكم كنت أفكر في هذه الآية : « لَو كَانَ فَيهِمَا آلهةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا » . ( الأنبياء / 22 ) ولم أجد نفسي قادراً على الإتيان بمثلها . وأضاف ابن المقفع فقال : « يا قوم إنّ هذا القرآن ليس من جنس كلام البشر لأنني منذ تلك اللحظة التي افترقت فيها عنكم كنت أتأمل في هذه الآية : « وَقِيلَ يَا ارْضُ ابلَعِى مَآءَكِ وَيَاسَمَاءُ اقْلِعِي وَغِيضَ المَاءُ وَقُضِىَ الْامْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِىِّ وَقَيِلَ بُعداً لِّلقَومِ الظَّالِمِينَ » . ( هود / 44 )