الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

57

نفحات القرآن

يقول الراغب في المفردات : كل كلام ينقل إلى الإنسان عن طريق السماع المباشر ، أو الوحي ، في اليقظة ، أو في المنام ، فهو يسمى بالحديث . الآية السادسة من سورة القصص تطرقت إلى الحديث عن الإتيان بكتاب يشابه هذا الكتاب ( القرآن ) ، يقول عز من قائل : « قُل فأتُوا بِكِتَابٍ مِّن عِندِ اللَّهِ هُوَ اهًدى مِنهُمَا اتَّبِعْهُ انْ كُنْتُم صَادِقِينَ » . ثم من أجل تعرية وفضح أساريرهم الملوثة ، وبيان الاعجاز القرآني يعقب اللَّه تعالى بقوله : « فَانْ لَّمْ يستَجيبُوا لَكَ فَاعلَم أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ اهَواءَهُم » . أي : إذا عجز هؤلاء عن الإتيان بمثله فهو دليل على أنّ هذا الكتاب ليس وليد فكر البشر . وإلّا فليس هناك مبرر لعجز الفصحاء والبلغاء الذين يعيشون بين ظهرانيهم مع كل جهودهم ومساعيهم التي بذلوها . ولفظة ( كتاب ) تعني كل شيء ( مكتوب ) و ( مدوّن ) . وبناءً على هذا فهو شامل لتمام القرآن ولاجزائه المختلفة أيضاً ، خصوصاً إذا نظرنا إلى أنّ هذه الآية جاءت في سورة القصص ، وقد نزلت في مكة ، ومن المعلوم أنّ القرآن لم ينزل بتمامه في ذلك الزمان ، فيتضح أنّه إضافة إلى كونه معجزة بأجمعه فإنّ أجزاءه المختلفة معجزة أيضاً . وفي الآية السابعة والأخيرة من البحث جاء الردُّ على المحتجين فيقول تعالى على لسانهم : « وَقَالُوا لَولَا انزِلَ عَلَيهِ آيَاتٌ مِّن رَبِّهِ » ، فيرد عليهم بقوله : « قُلْ انَّمَا الآيَاتُ عِندَ اللَّهِ وانَّمَا أَنا نَذِيرٌ مّبِينٌ » . ثم يعقِّب على ذلك بقوله : « اوَلَمْ يَكْفِهِم أَنَّا انَزَلنَا عَليكَ الكِتَابَ يُتلَى عَليِهِم » .