الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
53
نفحات القرآن
ولديكم فكر وذكاء ، وفي الواقع أنّ القرآن وبواسطة هذا المنطق العقلي الواضح أثبت اعجازه بصورة إجمالية . إنَّ الآية الأولى تقف بوجه المعاندين قائلة : « قُلْ لَّئِنِ اجتَمَعَتِ الانسُ وَالجِنُّ عَلَى انْ يَأْتُوا بِمِثلِ هَذَا القُرآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثلِهِ وَلَو كانَ بَعَضُهُم لِبَعضٍ ظَهِيراً » . فهذه الآية تدعو من جهة أفراد البشر كافة دعوة عامة ، ومن جهة أخرى فهي تدعو جميع أفراد البشر في عصرنا والعصور الآتية نظراً إلى خلود دعوة القرآن ، ومن جهة ثالثة ، وبملاحظة كلمة « اجتمعت » ، وجملة « بَعضُهْم لِبعَضٍ ظَهِيراً » تبين أنّها دعوة للمشركين كافة للتعاون فيما بينهم وشحذ الهمم ، وتوحيد أفكارهم في مجرى واحد من اجل المقابلة بالمثل ، ومن جهة رابعة ، فإنّ إثارة الخصم والتحرش به من أجل تأجيج غيرته قد اتخذ أقوى أشكال التحدي ، وحينما خاطبهم بكلام قاطع : « لا يأتون بمثله » ، فهو دليل قوي على ارتباطه الوثيق بعالم ما وراء الطبيعة . إنّ هذا التحدي وهذا النداء كان موجهاً إلى أبناء البشر جميعاً في كل زمان ومكان ، لأنّ دوافع أعداء الإسلام للقضاء عليه في عصر النبوة وفي كل عصر وزمان قائمة وقوية ، ومن المُسلَّم أنّه لو كانت لديهم قدرة على ذلك لما تماهلوا عن ذلك ، وتاريخ الإسلام وتاريخ كل العالم لم يذكر لنا بأنّ شخصاً أو جماعة قد أقدمت على هذا العمل ، وهذا دليل على عجزهم وعدم قدرتهم ، وفي النتيجة فهو دليل على عظمة واعجاز القرآن الكريم . ويستفاد من هذه الآية أنّ الاجتماع وحده لا يؤثر في حل المشكلات مالم يكن بعضهم ظهيراً لبعض لحماية ومساعدة بعضهم للبعض الآخر وإسداء النصح لبعضهم الآخر . كما نلفت الانظار إلى أنّ القرآن لا يكتفي في التحدي بالبلاغة وجمال البيان فقط ، بل الشبه من جميع الجوانب الشاملة للمحتوى والمعارف والأحكام وكل شيء ، وهذا ما تؤكده كلمة ( مثله ) الواردة في الآية .