الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

36

نفحات القرآن

5 - شيوع الفساد الأخلاقي لقد بلغ الفساد الأخلاقي أعلى درجاته عند عرب الجاهلية فقد كانت تحكمهم عداوات شديدة وأحقاد موروثة من السلف إلى الخلف ، لم تقتل الأخلاق فحسب بل إنّ كل شيء في المجتمع ذهب ضحية لهذه العداوات وقد بيّن القرآن الكريم ذلك للعرب الذين مَنَّ اللَّهُ وتعالى عليهم بالإسلام بقوله : « وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَليَكُم اذْ كُنْتُم اعدَاءً فَالَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُم فاصبَحْتُم بِنِعمَتِهِ اخوَاناً وَكُنْتُم عَلى شَفَا حُفرَةٍ مِنَ النَّارِ فَانقَذَكُم مِّنهَا » . ( آل عمران / 103 ) و « الشفا » : كما جاء في « مقاييس اللغة » هي الإشراف والتسلُّط على الشيء و ( الشفا ) هنا يطلق على الأشياء التي يشرف الإنسانُ عليها ، مثل الإشراف على جوانب الحفرة أو حافة الوادي أو حافة النهر ، وكذلك ( شفة ) الإنسان على جانبي فمه ويُطلق أيضاً على تحسن صحة المريض لأنّه يتسلط ويتغلب على المرض . وعلى أيّة حال فقد شبَّه القرآن الكريم حياة عرب الجاهلية بمن يقف على شفا حفرة من النار ليسقط فيها بسهولة ، نار تحرق كل شيء وتحوله إلى رماد . كانت العداوة والنفاق والاختلافات مطبوعةً في نفوسهم وحاكمةً عليهم بحيث صرح القرآن الكريم لنبيّ الإسلام محمد صلى الله عليه وآله : إنّ من المستحيل القضاء على هذه الاختلافات بالطرق العادية وإيجاد الاتحاد والوحدة بينهم إلّابمعجزة إلهيّة ، وقد حصل ذلك على يد الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله بإذن اللَّه : « لَو انفَقتَ مَا فِى الأَرضِ جَمِيعاً مَّاأَلَّفتَ بَينَ قُلُوبِهِم وَلَكنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَينَهُم » . ( الأنفال / 63 ) إنَّ معاقرة الخمر واللعب بالميسر والأزلام كانت متفشية بحيث كان من الصعب القضاء عليها بمرحلة واحدة ، لذلك جاء أمر تَحريم الخمر على عدّة مراحل « 1 » . كما أنّ أحد أكبر المفاسد الأخلاقية والاجتماعية هو مسألة ( حقوق المرأة ) في مجتمع عرب الجاهلية ، فقد وصلت إلى الحد الذي يتفق مع ما قاله بعض المفسرين : إنّه عندما تحين ولادة المرأة في العصر الجاهلي تحفر حفرة وتجلس على شفتها فإن كان المولود بنتاً

--> ( 1 ) والتفصيل في ذلك جاء في التفسير الأمثل ذيل الآية 90 من سورة المائدة .