الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

56

نفحات القرآن

بكلّ الطرق والوسائل لهدايتهم على حدّ قوله ، إذ أنّه كان يدعوهم علناً أحياناً وأحياناً أخرى سِرّاً ، ليلًا أو نهاراً ، يذهب إلى بيوتهم أو يشاركهم في جلساتهم العامّة في بعض الأحيان ، وإنّه لم يؤمن به طوال كلّ هذه المدّة إلّانفر قليل ، يعكس مدى مداراته لهؤلاء الوثنيين العاصين . ولحن قوله تعالى الوارد في سورة نوح عليه السلام يبيّن بكلّ وضوح استخدامه أسلوب الترغيب ، وأنّه لم يقدم على لعنهم والدعاء عليهم إلّابعد أن يئس تماماً منهم ومن ذرّيتهم . إنّ الإنسان تصيبه الدهشة أحياناً عندما يرى ما لبعض الأنبياء من رأفة وحسن خُلق ، فقد ورد عن « لوط » عليه السلام مثلًا في القرآن الكريم إنّه عرض بناته على قومه المذنبين للزواج منهنّ ( بعد الإيمان ) أملًا في أن يمنعهم من القيام بأعمالهم الشنيعة تلك . وعلى أيّة حال فإنّنا كلّما تمعّنا أكثر في حياة هؤلاء العظام كلّما وقفنا على مميزات وصفات أخلاقية أكبر لهم . 11 - الفوز في المحن الشاقّة تعرّض الكثير من الأنبياء عليهم السلام خلال حياتهم لمختلف أنواع الإختبارات الشاقّة ، وكانت صفاتهم البارزة هي تحمّل أنواع الشدائد ، وعدم الغرور عند النصر ، وباختصار الفوز في الإمتحانات الإلهيّة الصعبة . فالنبي نوح عليه السلام في فترته التبليغيّة البالغة تسعمائة وخمسين سنة ، وموسى عليه السلام خلال خدمته لشعيب في مدين وخلال فترة تحدّيه الطويلة لفرعون وفترة انحراف بني إسرائيل عن التوحيد والخروج على أوامره ، وكذلك سائر الأنبياء مثل أيّوب وعيسى ولوط وشعيب وهود عليهم السلام وخصوصاً إبراهيم عليه السلام قد ابتلوا جميعاً في ميادين الابتلاء هذه . وقد جاء في الآية المعنية عن إبراهيم عليه السلام إنّه تعالى قد منحه مقام الإمامة المطلقة فضلًا عن مقام النبوّة وذلك بعد فوزه في الاختبار ، قال تعالى : « وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ