الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
49
نفحات القرآن
الأجر والمكافأة الماديّة في مقابل دعوتهم إلى اللَّه تعالى ودين الحقّ ، فنقرأ مثلًا في الآية الخامسة من آيات بحثنا حول أوّل نبي من اولي العزم أي نوح عليه السلام : « وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِىَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ » كما أنّ هناك آيتين أخريين بنفس هذا المضمون قد وردتا في حقّ نوح عليه السلام أيضاً ( هود / 29 ) و ( يونس / 72 ) . وفي حقّ « هود » في موردين ( هود / 51 ) ( الشعراء / 127 ) . وفي حقّ « صالح » في آية واحدة ( الشعراء / 145 ) . وفي حقّ « لوط » في مورد واحد ( الشعراء / 164 ) . وفي حقّ « شعيب » في مورد واحد ( الشعراء / 180 ) . وأخيراً فقد تكرّر التأكيد على هذه المسألة في عدّة مواضع من القرآن في حقّ نبي الإسلام صلى الله عليه وآله : ( الأنعام - 90 ) ( سبأ - 47 ) ( الفرقان - 57 ) ( ص 86 ) « 1 » . على أيّة حال فإنّ تأكيد القرآن على مسألة أنّ أوّل كلام للأنبياء عليهم السلام الإلهيين هو عدم انتظارهم لأيّة مكافأة في مقابل جهودهم ، وسلوكهم وأفعالهم تكشف عن إمكانية التعرّف عليهم من خلال هذه الخصلة . إنّهم عليهم السلام كانوا يقولون ذلك ويعكسونه من خلال سلوكهم وأفعالهم ، في حين إنّ المدّعي زوراً ربّما يقول مثل قولهم لكنّه لا يلتزم به عمليّاً أبداً . ويحتمل أنّ ملكة سبأ أرادت اختبار سليمان عليه السلام وهل أنّه نبي صادق أم ملك يبغي وراء تظاهره بالدعوة إلى اللَّه تعالى منافع ماديّة ، فقالت : « وَإِنِّى مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ » . ( النمل / 35 ) فإذا وافق سليمان عليه السلام على الهدية وفرح بها لاتّضح أنّ له دافعاً ماديّاً ، بينما النبي من
--> ( 1 ) الجدير بالذكر هو أنّ القرآن الكريم يقول أحياناً في حقّ نبي الإسلام صلى الله عليه وآله : « قُلْ لَاأَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً » ( الأنعام / 90 ) ويقول أحياناً : « قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا » ( الفرقان / 57 ) وفي موضع آخر يقول : « قُلْ لَاأَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِى الْقُرْبَى » . ( الشورى / 23 ) ولا يخفى أنّ هذه الآيات بمجموعها تبيّن أنّ مسألة مودّة ذوي القربى إنّما تعود فائدتها إلى الناس ، وهذه في الواقع بمثابة ترعة تصبّ في خاتمة المطاف في نهر « الإمامة والولاية المنصوصة » التي عيّنها اللَّه تعالى لهداية الناس وللعمل بتعليمات نبيّ الإسلام صلى الله عليه وآله ، وبالنتيجة فكلّ منفعة تجنى من هذا الطريق إنّما تصبّ في خير الناس ولأجلهم .