الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
47
نفحات القرآن
وإيصاله إلى الناس والأمانة في حفظ الأسرار الإلهيّة ، والصدق والأمانة يعودان في حقيقة الأمر إلى أصل واحد ، غاية الأمر أنّ الصدق أمانة في الحديث والأمانة صدق في العمل ! ولذا يقول القرآن في ثاني آية من آيات بحثنا : « كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ * إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ * إِنِّى لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ » ، كما أنّ نفس هذا التعبير « إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ » قد ورد بحقّ كلّ من « هود » ( الشعراء / 125 ) ، و « صالح » ( الشعراء / 143 ) و « لوط » ( الشعراء / 162 ) و « شعيب » ( الشعراء / 178 ) و « موسى » ( الدخّان / 18 ) ، وممّا لا شكّ فيه هو أنّ هؤلاء الأنبياء عليهم السلام وغيرهم من الأنبياء الإلهيين كانوا قد أثبتوا أمانتهم للناس عمليّاً كما قرأنا عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله أنّه كان يلقّب ب « محمّد الصادق الأمين » من قبل خاصّة الناس وعامّتهم وذلك قبل نزول الوحي ، ولذا كان صلى الله عليه وآله يستدلّ بسابقته هذه أمام المخالفين بأنّهم كيف لا يصدقون بإنذاره فيما يتعلّق بالوحي الإلهي مع علمهم وإقرارهم بصدقه وأمانته ؟ ! « 1 » . والملفت هو أنّ القرآن قد وصف جبرئيل حامل الوحي الإلهي بهذا الوصف أيضاً حيث قال : « نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ » . ( الشعراء / 193 - 194 ) وفي الحقيقة إن حملة الوحي ، سواءً الملائكة الذين هم الواسطة في إبلاغ الوحي ، أم الأنبياء أنفسهم أو الأئمّة ونواب المعصومين الذين أُنيطت بهم مسؤولية إبلاغ وحفظ الوحي الإلهي ، هم أُمناء اللَّه في خلقه ، ومن هنا فإننا نرى أن الامام علياً عليه السلام وباقي الأئمّة الأطهار عليهم السلام ينعتون بأمناء اللَّه في الزيارة المعروفة بزيارة « أمين اللَّه » ، حيث ورد هذا الخطاب : « السلام عليك يا أمين اللَّه في أرضه » وهو شاهد آخر على إثبات هذا الادعاء .
--> ( 1 ) جاء في التواريخ في ذيل الآية « وَانْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ » أنّه صلى الله عليه وآله صعد إلى جبل الصفا بعد نزول هذه الآية ودعا كلًا من « بني عبدالمطلّب » و « بني عبد مناف » فلمّا اجتمعوا حوله قال لهم صلى الله عليه وآله ، لو أخبرتكم بأنّ جيشاً عظيماً يتّجه نحوكم بمحاذاة هذا الجبل فهل ستصدقّونني أم لا ؟ فقال الجميع : بلى ! ما عرفنا فيك الكذب أبداً ، فقال صلى الله عليه وآله : « إذن فاعلموا أنّي لكم نذير من العذاب الإلهي » . ( الكامل ، ج 2 ، ص 60 ) .