الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
23
نفحات القرآن
الناشئة من هوى النفس والعجب والتكبّر ستبقى ما بقي الإنسان بالرغم من أنّ الأنبياء عليهم السلام قد خفضوا من نسبتها بتعليماتهم القيّمة . 9 - التذكير ( بالنسبة للبديهيات والمستقلات العقليّة ) تمّت الإشارة في نفس هذه الآية إلى أنّ أحكام الأنبياء عليهم السلام وتعليماتهم تؤيّد أحكام العقل وتدعمها ، وهذه بنفسها أحد أهداف بعثتهم . وتوضيح ذلك : إنّ الإنسان يدرك الكثير من « حقائق » الكون وكذلك « ما ينبغي » و « ما لا ينبغي » بواسطة عقله ، لكنّ هناك وساوس مزمنة كامنة في هذه الإدراكات العقلية ، خصوصاً إشكالات السوفسطائيين أو الطوائف المنكرة للحسن والقبح العقليين وأمثالها التي تؤدّي إلى إضعاف العقل وبالتالي النظر إلى هذه الإدراكات والمستقلّات العقلية نظرة سلبية . وهنا يستوجب اللطف الإلهي إرسال الأنبياء عليهم السلام ليؤكّدوا ضمن دعوتهم إلى اللَّه تعالى صحّة الإدراكات العقليّة وعلى أنّ الفتن الواقعية إنّما هي من فعل العقل البشري ، وذلك من خلال بياناتهم الصادرة من الوحي السماوي ، ويقطعوا الطريق أمام الوساوس التي تعترض هذه الإدراكات . هذا هو الذي عبّر عنه القرآن ب « التذكّر » ، يقول تعالى في الآية مورد البحث : « هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ » والتعبير ب « الذكر » كثير جدّاً في القرآن ، ومجموع ما ذكر اثنتان وخمسون مرّة في مختلف الآيات والتي تشير أغلبها إلى القرآن الكريم . أمّا التعبير ب « ذكّر » ( مخاطبة النبي بصيغة الأمر ) فقد جاء في ستّة موارد ، وتعبير « يتذكّر » في ثمانية موارد ، و « تذكّرون » في سبعة عشر مورداً ، و « يتذكّرون » في سبعة موارد ، وما أكثر مشتقّات هذه المادّة في القرآن الكريم والتي تبيّن بمجموعها أنّ قسماً عظيماً من تعليمات الأنبياء عليهم السلام لها صبغة تذكّرية وإعادة المنسيّات إلى الأذهان على أقلّ تقدير .