الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
15
نفحات القرآن
4 - حريّة الإنسان وأشير في الآية الخامسة إلى بُعد آخر من أبعاد فلسفة بعثة الأنبياء عليهم السلام ، ألا وهو نجاة الإنسان من مخالب الأسر والاستبداد ، يقول تعالى : « الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِىَّ الْأُمِّىَّ الَّذِى يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِى التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِى كَانَتْ عَلَيْهِمْ » . إنّ القرآن الكريم يقيم عدّة أدلّة على أحقيّة النبي الأكرم صلى الله عليه وآله بذكره لهذه الأوصاف : الأوّل : كونه اميّاً ، فهل يمكن عرض كتاب كهذا أو علوم كهذه من قبل شخص لم يحضر حلقات الدرس . والثاني : هو شهادة الأنبياء عليهم السلام السابقين على حقانية نبوته . والثالث : إنسجام تعليماته مع أوامر العقل والوجدان ( إذ يستحيل إيجاد مذهب ورسالة لها مثل هذا الانسجام مع حكم العقل والوجدان ، والدعوة إلى الإحسان والنهي عن السيّئات والتوجّه نحو الفضائل وترك الرذائل في محيط مليء بالخرافات والجهل والجاهلية والفظاظة ) . والدليل الرابع : بيان حريّة الإنسان والسعي لإنقاذه من مخالب الأسر فطالما كبّل الحكّام الماديّون الإنسان بالأغلال والقيود لتقوية مكانتهم ، وأجازوا أنواع العذاب في حقّه ، بل قد سلبوا حرّيته باسم الحرية ، ولم تكن هناك مدرسة تنادي بخلاص الإنسان من ظلم الطواغيت وتحريره سوى مدرسة الأنبياء عليهم السلام . والجدير بالذكر هو أنّ كلمة « إصر » على وزن ( مِصْر ) التي تعني عقد الشيء وحبسه وقهره على حدّ قول الراغب في مفرداته وقد فسّرها البعض بالحبس المؤكّد أيضاً ، ثمّ استعملت في لوازم هذا المعنى « 1 » ( مثل العهد والميثاق وثقل الذنوب والحبل الذي تربط به الخيام وأمثال ذلك ) وجاءت هنا كناية عن أنواع القيود التي تُثقل كاهل الإنسان .
--> ( 1 ) مفردات الراغب ؛ ومقاييس اللغة ؛ والتحقيق في كلمات القرآن الكريم .