الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
10
نفحات القرآن
الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ » . أجل ، هذا هو طلب إبراهيم عليه السلام من اللَّه تعالى للُامّة الإسلامية واتّباع محمّد صلى الله عليه وآله ، حيث أبان الهدف من بعثة هذا النبي العظيم ( وسائر الأنبياء ) بكلّ وضوح . إنّ التأمّل في هاتين الآيتين يكشف عن نكات جديرة بالاعتبار : أوّلًا : العبارة الواردة في الآية الأولى دليل على معرفة اللَّه تعالى من جهة ، وعلى النبوّة الخاصّة لنبي الإسلام صلى الله عليه وآله من جهة أخرى ، حيث تؤكّد الآية أنّ اللَّه تعالى هو الذي بعث نبيّاً بهذه الخصوصيات وهذا لا يتمّ إلّاعن طريق القدرة الإلهيّة فقط : « هُوَ الَّذِى بَعَثَ . . . » . وكذلك تقول : إنّ النبي هو ذلك الشخص الذي ظهر من بين جماعة اميّين ، لكنّه على الرغم من ذلك فقد أصبح معلّماً للمئات والآلاف ، وأفاض على أتباعه العلم والحكمة حتّى ظهر من بينهم بعد فترة قصيرة أكابر العلماء الذين قاموا بتأسيس حضارة عظيمة مشرقة . ثانياً : دار الحديث في كلتا الآيتين عن أربعة مواضيع وهي « تلاوة آيات اللَّه تعالى » و « تعليم الكتاب » و « تعليم الحكمة » وأخيراً « التزكية والتطهير والتربية » . إنّ الحالة الطبيعية لهذه المواضيع الأربعة ، هي كما أشير إليها ، بأنّه يجب ابتداءً أن يتعرف ويستأنس سمع الإنسان بكلمات الحقّ تعالى ليدرك بعد ذلك مضمون الكتاب من أعماق هذه الكلمات ، ثمّ يتعرّف بعد ذلك على الحكمة أي الأسرار الكامنة فيها ، وأخيراً يُطهر وينقي الروح والجسم . هذا الترتيب الطبيعي يُلاحظ في الآية المرتبطة بدعاء إبراهيم عليه السلام : لكن « التزكية » قد تقدّمت على « تعليم الكتاب والحكمة » كما جاء في قوله تعالى : « لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِى ضَلَالٍ مُبِينٍ » . ( الجمعة / 2 ) ( آل عمران / 164 ) وذلك لكي تتبيّن هذه الحقيقة التي ترى أنّ الهدف الرئيس من كلّ هذه المقدّمات في تلك الآيات هو الطهارة والتقوى وتربية الإنسان ونمو المثل والقيم الأخلاقية والإنسانية . ثالثاً : نظراً لتقدّم « التزكية » على « التعليم » في آيتين من القرآن الكريم وتأخّرها عنه في