الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
99
نفحات القرآن
تعالى الشاهد الأول ، قال تعالى : « فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مايَفْعَلُونَ » « 1 » . فالمحكمة التي يكون حاكمها اللَّه جلّ جلاله وشاهدها الأول ذاته المقدّسة فهل من الممكن أن يغفل عن شيء ويفوته عند الحساب ؟ ! ومن البديهي أن تكون مثل هذه المحكمة محكمة مثيرة للقلق والوجل لا لاحتمال الحكم بغير الحق بل بسبب سوء أعمالنا . لقد فسّر بعض المفسرين الشهادة هنا بمعنى الجزاء والمجازاة في حين أنّه لا ضرورة لمثل هذا التفسير الذي يخالف ظاهر الآية ، وذلك لعدم وجود أي مانع لشهادة الذات الإلهيّة المقدّسة على أعمال العباد في ذلك اليوم وتعيين شهادته تعالى عن طريق الهام الملائكة المأمورين بالحساب . وقيل : إنّ شهادة اللَّه تكون بإنطاق أعضاء جسم الإنسان فتجيب عمّا اقترفت من أعمال في الدنيا . الآية الخامسة تحدّثت عن شهود المحشر أيضاً ولكن كان الكلام فيهايدور حول شهادة الأنبياء على أممهم وشهادة الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله على سائر الأنبياء ، قال تعالى : « فَكَيفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئنَا بِكَ عَلَى هؤُلَآءِ شَهِيداً » . ومع أنّ هذه الآية لم تذكر صراحة أنّ شهداء كل أمة هم أنبياؤها ، ولكن القرائن تؤكد هذه المسألة وذلك لأنّ نبي كل أمة هو أكثر الناس صلاحية للشهادة على أمته كما أنّ الآية الكريمة لم تذكر من المراد بكلمة ( هؤلاء ) أي من هم بالدقّة ؟ ولذا فقد ذكر المفسرون احتمالات لذلك ، قال بعضهم : إنّها إشارة إلى قوم الرسول صلى الله عليه وآله فهو الشاهد عليهم يوم القيامة « 2 » .
--> ( 1 ) . جاء في تفسير الميزان : أنّ ( ثم ) الواردة في الآية أعلاه تُفيد التراخي في البيان لا التراخي في الزمان في حين أنّه يمكن تصور التراخي الزماني في مورد الآية أيضاً ، وذلك لأنّ اللَّه تعالى يحشر الناس أولًا وبعدها يشهد على أعمالهم نظراً لأنّ المقصود هو الشهادة عند الحساب . ( 2 ) . ورد هذا الاحتمال في تفسير الكشاف ، ج 1 ، ص 512 وكذلك في تفسير مجمع البيان ج 3 ، ص 49 .