الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

68

نفحات القرآن

« إنّ الكتاب يتضمن نفس الأعمال بحقائقها دون الرسوم المخطوطة على حدّ الكتب المعمول بها فيما بيننا في الدنيا فهي نفس الأعمال يطلع اللَّه الإنسان عليها عياناً ولا حجّة كالعيان ، إنّ كتاب الأعمال بحقائقها مستور عن إدراك الإنسان محجوب وراء حجب الغفلة وإنّما يخرجه اللَّه سبحانه وتعالى يوم القيامة فيطلعه على تفاصيله » « 1 » . كذلك لا ينسجم هذا المعنى بما يتعلق ب ( الملائكة الكاتبين ) وسائر الصفات الأخرى التي وردت في الآيات والروايات وذلك لأنّ المراد من حقائق الأعمال على الظاهر هو نفس الآثار التي تترك أثراً في داخل نفس الإنسان ، وهنا يرد نفس الإشكال على تفسير المرحوم الفيض الكاشاني . ولقد ذكر صاحب كتاب ( روح المعاني ) نفس هذا التفسير بشيء من التفصيل ثم اعترف بأنّ هذا التفسير لا ينسجم مع ظاهر آيات القرآن الكريم « 2 » ، ومن الممكن أن يقال : كما تترك أعمال الإنسان أثراً في داخل نفسه كذلك تترك أثراً في العالم الخارجي أيضاً ، وتترك أثراً في الفضاء والهواء وعلى الأرض التي يعيش عليها وفي كل شيء ، وكأنّ أعماله نقشت بها نقشاً طبيعياً غير قابل للانكار . وهذه النقوش تنقش في أعماق هذه الموجودات بواسطة قوى عالم الوجود والملائكة ، ويوم القيامة يكشف عنها الحجب وتظهر للعيان وتعطى بيد كل إنسان وتكفي نظرة واحدة عليها للاطلاع على حال كل شخص . ومن البديهي أنّ هذه الآثار لا يمكن إدراكها والاحساس بها في هذه الدنيا رغم أنّها موجودة ومثبتة ، وعندما يأتي ذلك اليوم الذي يكشف فيه هذا الغطاء ويصبح البصر حديداً فسوف نراها عياناً ونقرأُها فنصدق . وقد استطاع علماء اليوم من خلال دراسة علم الآثار ودراسة المتحجرات المتبقية من

--> ( 1 ) . تفسير الميزان ، ج 13 ، ص 58 . ذيل الآية 13 الاسراء . ( 2 ) . تفسير روح المعاني ، ج 15 ، ص 32 .