الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
63
نفحات القرآن
بأيمانهم ( صحيح أنّ مادة يمن ) و ( يمين ) مشتقة من أصل واحد ولكن يعني أحدهما الخير واليمن والسعادة ، ويعني الآخر اليد اليمنى التي يرونها مظهراً من مظاهر البركة . ويعتقد الراغب - كما ورد في مفرداته - أنّ أساس الكلمتين يحمل نفس مفهوم اليد اليمنى فيرى أنّ الخير واليمن والبركة تحصل بالأفعال التي تنجز بواسطة اليد اليمنى . فهذه الكلمة جاءت بمعنى الخير والبركة ويقابلها كلمة المشئمة . « والمشئمة » : مشتقة من ( شؤم ) وعلى قول صاحب كتاب مقاييس اللغة أنّ المعنى الأصل لهذه الكلمة هو نفس اليد اليسرى وأنّهم يعتقدون بأنّ اليد اليسرى والأعمال التي تنجز بواسطتها إشارة إلى الشر وسوء الحظ . . ولهذا استعملت كلمة شؤم بهذا المعنى وبهذا السياق ، ويكون المراد من ( أصحاب الميمنة ) و ( أصحاب المشئمة ) في الأصل نفس معنى أصحاب اليمين وأصحاب الشمال الذين يؤتون كتبهم إمّا باليمين أو بالشمال ، وبهذا فإنّ تفسير الآية بمجموعة تكون ( سعيدة مسرورة ) وأخرى ( شقية تعيسة ) بعد المعنى الثاني من معاني الآية الكريمة ، ولقد فسر الفخر الرازي أصحاب الميمنة ب ( أصحاب الجنّة ) إذ يقول « 1 » : هم أصحاب الجنّة وتسميتهم بأصحاب الميمنة إمّا لكونهم من حملة كتبهم بأيمانهم وإمّا لكون أيمانهم تستنير بنور من اللَّه تعالى كما قال تعالى : « يَسعَى نُورُهُم بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ » . ( الحديد / 12 ) وإمّا لكون اليمين يراد به الدليل على الخير ، والعرب تتفاءل بالسانح وهو الذي يقصد جانب اليمين من الطيور إذ يتفاءلون بها بالخير ، والتي تطير من الشمال ، بالشر . جملة ( ما أصحاب الميمنة وما أصحاب المشئمة ) جاءت على صيغة استفهامية ، وهذه إشارة إلى المقام الرفيع جدّاً للطائفة الأولى والمقام الدنيء جدّاً للطائفة الثانية فكان منزلة وبركات الطائفة الأولى من العلو والسمو بحيث تخرج عن مستوى تفكير الإنسان ، وهذا التفسير كناية لطيفة عن هذا المعنى ، على عكس التعبير الثاني الذي هو كناية عن شدّة
--> ( 1 ) . التفسير الكبير ، ج 29 ، ص 142 .