الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

53

نفحات القرآن

في محكمة العدل الإلهي من جهة ومن جهة أخرى أنّهم قد نسوا الكثير من الأعمال ولم يعطوها أهميّة ، ولكنّها اليوم تجسدت أمام أعينهم ، ومن جهة ثالثة ، الفضيحة العظمى أمام الخلائق . ويجب أن ننتبه إلى هذا المعنى وهو أنّ كلمة ( يغادر ) مشتقة من مادة ( غَدْر ) بمعنى الترك ، وبناء على ذلك يكون مفهوم هذه الجملة هو أنّ هذا الكتاب لا يترك شيئاً إلّاوسجّلهُ ، ويقال لنكث العهد غدر وذلك بسبب عدم الوفاء به . وتتحدث الآية الثالثة عن كتابة رسل اللَّه تبارك وتعالى : « أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَانَسْمَعُ سِرَّهُمْ ونَجْواهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِم يَكْتُبُونَ » . ومن الواضح أنّه لا يوجد هناك تضارب بين هذه الآية والآية التي تقول : « إِنَّا نَحنُ نُحْيِ المَوتَى وَنَكتُبُ مَا قَدَّمُوا وآثَارَهُم » نظراً لأنّ عمل الرسل والملائكة إنّما هو في الحقيقة عمل اللَّه تبارك وتعالى لأنّه يجري بأمره ، وهناك احتمال بأنّ كتاب أعمال الناس جميعاً ( الإمام المبين ) يكتب بيد القدرة الإلهيّة ، أي بصورة مباشرة ، أمّا كتاب أعمال كل إنسان الذي عرض في هذه الآية فيكتب بواسطة الملائكة ، أمّا تعبير ( الرسل ) وهو جمع رسول فالمراد به هنا الملائكة المأمورون بكتابة الأعمال ، وليس المقصود وجود عدد من الملائكة لكل إنسان بل يمكن أن يكون لكل فرد ملك واحد أو ملكان فيكون بصورة الجمع بالنسبة لمجموع الناس . يقول الزمخشري في الكشاف : ( السّرّ ) ما حدّث به الرجل نفسه أو غيره في مكان خال أمّا النجوى ما تكلّموابه فيما بينهم همساً « 1 » .

--> ( 1 ) . تفسير الكشاف ، ج 4 ، ص 265 .