الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

377

نفحات القرآن

التدبير والربوبية والتربية ، ومعنى هذا وجوب عدم التعلّق بالأوثان والالتجاء إلى سوى ذاته المقدّسة ، وأن وضع أحد من الأنبياء والأولياء على مقام الشفاعة فهو مستمد منه بالتأكيد : كما أنّ مقام الحاكمية وهداية وتربية الناس ممنوحٌ لهم من قبل اللَّه تعالى . وورد نفس هذا المعنى في الآية الرابعة من آيات البحث ، ولكن بصورة أخرى ، إذ تقول لعبدة الأوثان الذين اتخذوها شفعاء لهم : « قُل لِّلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعاً » . ثم تؤكّد أنّ سبب ذلك هو أنَّ : « لَهُ مُلكُ السَّموَاتِ وَالأَرضِ ثُمَّ الَيهِ تُرجَعُونَ » . فمن البديهي أنّ من يمتلك حق العفو عن المذنبين وحق الشفاعة أو قبول شفاعة الشافعين هو الخالق والمالك لكل الموجودات التي بدأ وجودها منه ثم تعود إليه في نهاية المطاف . وعلى هذا فانَّ الشفيع في الأساس هو اللَّه تعالى ، لا منافس له في ذلك بل يستمد الآخرون منه مشروعية شفاعتهم ، ومن الواضح أنّ انحصار حق الشفاعة به تعالى دون سواه لا يتنافى أبداً مع مشروعيته للآخرين ، كما أنّ الملكية والحاكمية له دون سواه ، ويمكن للآخرين الملك والحكم بإذنه وبأمره وفي حدود خاصّة . وما يسترعي الاهتمام هنا هو أنّ الآية السابقة لها قالت حين نفت شفاعة الأوثان : « قُلْ اوَلَوْ كَانُوا لَايَملِكُونَ شَيئاً وَلَا يَعقِلُونَ » . ( الزّمر / 43 ) وهذا التعبير دليل واضح على أنّ الشفاعة من مختصات المالكية والحاكمية ، وإنّما اختص بها اللَّه تعالى لأنّه هو المالك والحاكم الأصل في عالم الوجود والآخرون يقتاتون على فُتات مائدة نعمته . القسم الثالث : الآيات التي تؤكّد على أنّ الشفاعة منوطة بإذن اللَّه وهي في الحقيقة مكملة لآيات القسم الثاني ، ولذا ورد في الآية الخامسة استفهام انكاري ينص على : « مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ » . ( البقرة / 255 )