الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
37
نفحات القرآن
الآيتان الثالثة عشرة والرابعة عشرة : أشارتا مرّة أخرى إلى الصيحتين ( صيحة الموت وصيحة الحياة ) . تقول الآية الأولى : « مَا يَنظُرُ هؤُلَآءِ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً مَّالَهَا مِنْ فَوَاقٍ » وهناك عدّة أقوال في تفسير هذه الآية ، فقيل إنّها تشير إلى عذاب الاستئصال ( وهو العذاب الدنيوي الذي يستأصل جذور الكافرين والظالمين مثل عذاب قوم نوح ولوط وغيرهما ) . وقيل : إنّ الآية أشارت إلى نفخة الصور والمعنى الأول يتفق مع سياق الآيات السابقة للآية التي تتحدث عن مجازاة قوم نوح وعاد وثمود وأمثالهم ، ولكن مع أخذ ذلك بنظر الاعتبار فإنّ هذه الآية جاءت تهديداً لكفّار مكة مع أنّ هؤلاء مستثنون من عذاب الاستئصال بحكم قوله تعالى : « وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُم وَأَنْتَ فِيهِمْ » . ( الأنفال / 33 ) وعلى هذا الأساس لا يمكن تفسير العذاب في الآية بعذاب الاستئصال فيكون الرأي الثاني هو الأنسب . وبناء على ذلك فهل أنّ الآية أشارت إلى نفخة الصور الأولى أم الثانية ؟ هناك اختلاف بين المفسرين ولكن وبلا شك أنّ لحن الآية يتوافق مع النفخة الأولى ، ذلك لأنّ ذيل الآية يقول : « مَالَهَا مِنْ فَوَاقٍ » وهذا التعبير يقال عادة لنفخة الموت ولقد استشهد بحديث نقل عن الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله حول هذه الآية لبيان النفخة الأولى « 1 » . « فواق » : حسب قول الكثير من المفسرين وأهل اللغة ، هو ما بين حلبتي الناقة وأصله من الرجوع يقال ، آفاق من مرضه أي رجع إلى الصحة . وعلى أيّة حال فإنّ صيحة فناء العالم لا تعطي فرصة لأحد ، وينتهيكل شيء في وقت قصير ويصبح هشيماً تذروه الرياح ويقوم سد محكم يحول بين الإنسان وماضيه . ولقد أشارت الآية اللاحقة إلى صيحة يوم القيامة : « يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالحَقِّ ذلِكَ يَوْمُ الْخُروْجِ » . ويعتقد المفسرون بأنّ هذه « الصيحة » هي نفس صيحة القيامة حيث إنّ ذيل الآية دليل
--> ( 1 ) . تفسير القرطبي ، ج 8 ، ص 5601 ؛ تفسير الكبير ، ج 2 ، ص 183 .