الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
366
نفحات القرآن
أنّ بعض الحشرات القذرة تلتذ وتنتشى بروائح القمامة الكريهة « 1 » . هذا الوهم يشكل نقطة مقابلة للوهم السابق أيضاً ويتناقض معه ، وهو في نفس الوقت لا يتّسق مع أيمن الآيات التي تؤكّد خلود العذاب ، لاسيّما وأنّ بعضها قد صَرّحت بأنّه « كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ » . ( النّساء / 56 ) والتهديد بالخلود في النّار هو تهديد بالعذاب الدائم ، ولو أنّه تحّول إلى نعمة خالدة لما كان يتصف بالتهديد . إنّ مثل هذه التفسيرات بشأن الخلود تدل على أنّ أصحابها لم يجهدوا أنفسهم بالقيام بدراسة دقيقة أو حتّى دراسة إجمالية لتلك الآيات القرآنية ، ولو أننا أعدنا قراءة تلك الآيات لتبيّن مقدار التناقض بينها وبين هذا الكلام الفارغ القبيح . إضافة إلى ذلك ، يجب الالتفات إلى أنّ اعتياد الإنسان على الآلام له حدود ، فبعض الآلام طفيفة يعتاد عليها الإنسان بمرور الزمن . لكن لو نقص الماء في جسم الإنسان مثلًا فانّه يعاني العطش ، ويتعذر عليه عندئذٍ الاعتياد على ذلك ، كأن يكون بدنه يحتاج إلى الماء وهو لا يشعر بالعطش ! . 4 - هل أنّ الخلود نوعي أم شخصي يلاحظ أنّ البعض اعتبر الخلود « خلوداً نوعياً » لا « شخصياً » ، ومعنى ذلك أنّ نوع « الإنسان الكافر » يبقى في النّار إلى الأبد ، لكن الأشخاص يتبدلون ، أيأنّ كل واحد منهم يقضي مدّة معيّنة في عذاب جهنّم ، وبما أنّه يعطي مكانه إلى آخر ، فإنّ بقاء الإنسان في جهنّم سيبقى أبدياً . ومفهوم هذا الكلام أنّ خلقاً آخر يأتي إلى الدنيا في المستقبل ، وينحرف منهم جماعة أيضاً ، فيكونون وقوداً لنار جهنّم ، ويتصادف دخولهم فيها مع نجاة وخروج الخلق السابق منها « 2 » .
--> ( 1 ) . هذا الكلام نقلناه بشيء من التلخيص عن كتاب الأسفار نقلًا عن محي الدين بن العربي في الفتوحات المكية ( الأسفار ، ج 9 ، ص 349 ) . ( 2 ) . هذا التفسير موجود في حاشية ج 9 ، من الأسفار ، ص 348 .