الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

357

نفحات القرآن

مِّن رَّبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَاسَلَفَ وَامْرُهُ الَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَاولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ » . ( البقرة / 275 ) وهنا يعترضنا أيضاً سؤال وهو : كيف يخلد هذا الفريق في النّار بينما الذنب الكبير لا يستوجب لوحده الخلود في النّار ؟ الإجابة عن هذا السؤال هنا أبسط ، وذلك لأنّ نص الآية ( في الجمل السابقة ) يشير إلى منكري تحريم الربا ، الذين كانوا يقولون : ما الفرق بين البيع والربا ولماذا أحلَّ اللَّه أحدهما وحرّم الآخر ، في حين أنّ الفارق بينهما واضح ، فالبيع والشراء والتجارة والأعمال المشابهة كلها تصب في مصلحة المجتمع ، وهي من النشاطات الاقتصادية السليمة ، أمّا الربا فهو ضار بالمجتمع ، ولهذا الموضوع شرح واسع تطرقنا إليه في مكانه المناسب . 6 - الظالمون والجبابرة الفريق الآخر الذي اعتبره القرآن الكريم مستحقّاً للخلود في العذاب هو فريق الظالمين ، وهذا ما ورد في الآية حيث جاء فيها : « وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا انَّ الخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا انفُسَهُم وَأَهلِيِهِمْ يَوْمَ القِيَامَةِ أَلَا انَّ الظَّالِمِينَ فِى عَذابٍ مُّقِيمٍ » . ( الشورى / 45 ) ويتبّين من هذا التعبير أنّ عاقبة الظلم ، الخلود في النّار . وقد أكّدت الآيات التي سبقت هذه الآية مراراً ، العذاب الأليم للظالمين ( الشورى / 42 ) ، ندمهم الشديد وهم يتعذّبون في نار جهنّم ( الشورى / 44 ) . هل المقصود من الظلم هنا هو ظلم عباد اللَّه والمستضعفين أم هو ظلم النفس من خلال الشرك ، لأنّ الشرك كما صرّح به قوله تعالى : « لَظُلْمٌ عَظِيمٌ » . ( لقمان / 13 ) وجاء أيضاً في قوله تعالى : « وَالكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ » . ( البقرة / 254 ) رجّح بعض المفسّرين المعنى الثاني ، ولعل جملة : « قالَ الَّذِينَ آمَنوا » دليل على هذا المعنى أيضاً وأنّ المؤمنين المظلومين قد واجهوا ظلماً كبيراً على يد الكّفار الظالمين وهم - أي المؤمنون - الذين يتحدّثون بهذا الكلام في يوم القيامة .