الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
33
نفحات القرآن
فقيل في جواب ذلك : إنّ هذه الحالة حالة لا إراديّة ، وبهذه الوسيلة يدعوهم اللَّه تعالى إلى محكمة عدله . والآية الرابعة ناظرة إلى النفخة الأولى وهي نفحة إماتة جميع المخلوقات وفناء العالم بأسره : « فَإِذَا نُفِخَ فِى الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ * وحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً * فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الوَاقِعَةُ » . إنّ تعبير ( واحدة ) الذي تكرر مرّتين في هذه الآية يدل على أنّ هذه الحوادث تتحقق بصورة مباغتة على شكل ضربة مميتة ، ومن جهة أخرى فإنّ هذه الآيات تبين القدرة اللامتناهية للَّهسبحانه وتعالى حيث تفنى جميع المخلوقات بنفخة صور واحدة ، بالضبط مثل نفخة البوق التي تحرك جيشاً عظيماً أو توقفه في مكانه . بلا شك أنّ الآيات السابقة أشارت إلى النفخة الأولى ، أمّا الآيات اللاحقة فقد ورد فيها إضافة إلى ذلك كلام عن حوادث المحشر وصحيفة الأعمال وأوصاف الجنّة ، وبحكم كون الحوادث المذكورة تقع في نهاية العالم وبداية القيامة ولا توجد فاصلة كبيرة بينهما ، لهذا السبب نرى في كثير من الآيات القرآنية أنّ حوادث نهاية العالم وقيام القيامة جاءت مرادفة لبعضها البعض . ويرى بعض المفسرين الكبار ، ومنهم صاحب الميزان أنّها النفخة الثانية ، قال : « والذي يسبق إلى الفهم من سياق الآيات أنّها النفخة الثانية التي تحيي الموتى » « 1 » ونحن نستبعد أن تكون هذه الآية قد أشارت إلى النفخة الثانية ، حيث إنّها لا تتوافق مع سياق الآية التي تليها والتي تخبر عن دك الأرض والجبال ، ولعل الآيات التي وردت ( بفاصلة ) عن هذه الآية هيالتي ساقته إلى هذا المعنى ، في حين أنّ التأمل في الآيات المختلفة التي تتحدث عن القيامة يدلل على أنّ هذه الآيات تذكر أحياناً حوادث هاتين النفختين معاً وتميز بينهما بالقرائن . أمّا الآية الخامسة فقد أشارت بوضوح إلى ( النفخة الثانية ) وذلك لأنّها تخبر عن عدم
--> ( 1 ) . تفسير الميزان ، ج 19 ، ص 397 .