الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
329
نفحات القرآن
جمع الآيات وتفسيرها 5 - سائر عذابهم الجسدي رياح مهلكه ، وظلال محرقة : قَسَّمت الآية الأولى الناس إلى ثلاث فئات وهي : فئة « المقربين » و « أصحاب اليمين » و « أصحاب الشمال » . ثم قالت عن أصحاب الشمال ( وهم الذين يتسلمون كتبهم بيد بشمائلهم دلالة على سوء عملهم ) إنّهم : « فِى سَمُومٍ وَحَمِيمٍ * وَظِلٍّ مِّن يَحمُومٍ * لَّابارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ » . وفي الحقيقة أنّ النّار كالجنّة فيها ماء وهواء ونسيم وظل ، ولكن ياله من نسيم ، فقد سمّاه القرآن ب « السموم » . « السموم » : مأخوذة عن كلمة ( السم ) وتعني الهواء اللافح من شدّة حرارته الذي يدخل المسام ( الفتحات الدقيقة على جلد الإنسان ) ويسبب هلاكه . ( وقد سمّيت كلمة « السَم » بهذا الاسم لأنّها تنفذ إلى جميع دقائق وثغرات الجسم ، لأنّ السَمَّ على قول الراغب يعني أي فتحة دقيقة كفتحة الأبرة وفتحة الأنف والأُذن ) « 1 » . ويوجد لديهم ماء أيضاً إلّاأنّه حار وقاتل ، ولديهم ظل إلّاأنّه من دخان أسود كثيف وحار ! حين يتعرض الإنسان للحرارة الشديدة في هذه الدنيا ، فإمّا أن يجعل نفسه عرضة لمهب النسيم أو يدخل في الماء أو يلتجيءُ إلى الظل ، وهذه الثلاثة كلها حارة وقاتلة هناك على العكس من الجنّة التي تكون أماكنها الواحدة أبرد من الأُخرى وأكثر إثارة للبهجة والارتياح .
--> ( 1 ) جاء « قاموس اللغة » إنّ كلمة « السموم » تُطلق على الرياح الحارّة التي تهب في النهار وهي في مقابل « الحرور » وهي الرياح الليلية الحارّة . جاء الفخر الرازي في تفسيره : إنّ السموم هي الرياح المتعفّنة التي عندما يستنشقها الإنسان يتعفن قلبه فيهلك . ( التفسير الكبير ، ج 29 ، ص 198 ) .