الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
326
نفحات القرآن
فهل يُفهم من هذا الكلام أنّ النّار محيطة بهم من كل جانب وكأنّها غدت لباساً لهم ؟ أوقطعاً حقيقية من النّار قد فُصّلت لهم وخيطت على هيئة الثياب ؟ ظاهر الآية يشير إلى صحّة التفسير الثاني ، والأكثر إيلاماً لهم من ذلك أنّهم : « يُصَبُّ من فَوقِ رؤُوسِهِمُ الْحَمِيمُ » . ثم تصف الآية فعل هذا الماء الحميم على بطونهم وجلودهم قائلة : « يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِم وَالجُلُودُ » . كلمة « يصهر » : مأخوذة من المصدر « صَهْر » على وزن ( نَهْر ) ويعني إِذابة الشحم أو ما أشبهه ، وتُطلق أيضاً على كل ما يحمى ويتغير بفعل حرارة الشمس . ثم تتحدث الآية عن العقوبات الأُخرى قائلة : « وَلَهُم مَّقَامِعُ مِن حَدِيدٍ » . « المقامع » : جمع « مِقمع » على وزن « مِنْبَر » وفُسّرت أحياناً بمعنى السوط وأحياناً أُخرى بالعمود الذي يُضرب به على رأس الشخص . ثم أخيراً تصوّر الآية وضعهم الأليم بالهيئة الآتية : « كُلَّمَا ارَادُوا ان يَخْرُجُوا مِنهَا مِنْ غَمٍّ اعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الحَريِقِ » . لا شك أنّ هذه العقوبات المؤلمة حتى وإن حصل أقل منها في الدنيا تؤدّي إلى موت الإنسان : لكن البناء الجسدي للمجرمين هُناك يكون بالشكل الذي لا يؤدّي إلى القضاء عليهم لتنفيذ هذه العقوبات ، ليذوقوا جزاء أعمالهم . وهذا يدل على أنّ القوانين السائدة في ذلك العالم تختلف عمّا هو موجود في عالمنا هذا ، ( فتأمّل ) . نُشاهد في الآية الثانية تعبيراً جديداً عن ثياب أهل النّار ، ورد فيها : « سَرَابِيلُهُمْ مِّن قَطِرَانٍ وَتَغشَى وجُوهَهُمُ النَّارُ » . « سرابيل » : جمع ( سربال ) . قال الراغب في المفردات ، هو القميص من أي مادة كان . وورد نفس هذا المعنى أيضاً في « لسان العرب » و « صحاح اللغة » ، وفسّرها البعض الآخر بأي نوع من الثياب .