الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
313
نفحات القرآن
وعلى هذا المنوال فعذابه لا نظير له ، وتوثيقه في الحبال لم يجر على أحدٍ من قبله ولا من بعده على ضوء الآية . وهذه التعابير بشكل عام تحمل أبعاداً تربوية تحثّ الناس على خشية اللَّه وتجنّب أليم عقابه ، لأنّ أذهان الناس قد اعتادت على أنّ « اللَّه أرحم الراحمين » فهو لا يعذّب عباده وإذا عاقبهم فعقوبته خفيفة جدّاً ، وهذا الوهم يدفع إلى الجرأة على ارتكاب المعاصي والذنوب ، ولذلك يفصح القرآن وبشكل صريح عن وجود ذلك العذاب ليخرج الناس هذه التخيّلات الباطلة من أذهانهم ويراقبوا أعمالهم . وانعكس نفس المعنى في الآية الثالثة إلّاأنّه ورد بتعبير آخر فهي تتحدث عن الكفّار الذين يديرون ظهورهم للحق فتقول : « فَيُعَذِّبُهُ اللَّهُ العَذَابَ الاكبَرَ » . « والعذاب الأكبر » : إشارة إلى عذاب يوم القيامة في قبالة العقوبات الدنيوية التي وُصِفت « بالعذاب الأدنى » كما نصت من سورة السجدة : « وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الْأَدنَى دُونَ العَذَابِ الأَكبَرِ » . ( سجدة / 21 ) وتجدر الإشارة إلى أنّ العذاب الإلهي في الدنيا قد يكون أحياناً شديداً جدّاً بحق القوم المجرمين كما حصل لقوم لوط إذ دَكَّ مدنهم وقُراهم دكّاً وجعلهم هم وإيّاها قاعاً صَفْصَفاً ، ومع ذلك فهذا العذاب يبقى عذاباً أدنى في مقابل عذاب القيامة وهذا ما يُنْبيء عن شدّة العقوبة يوم القيامة . وفي الآية الرابعة ورد تبيان لقسم من العذاب الصارم الذي يلقاه أصحاب النّار ، فيقال يومذاك لمنكري القيامة ومحكمة العدل الإلهي ، اذهبوا إلى ما كنتم به تكّذبون : « انْطَلِقُوا الَى ظِلٍّ ذِى ثَلَاثِ شُعَبٍ * لَّاظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِى مِنَ اللَّهَبِ * انَّهَا تَرْمِى بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ * كَأَنَّهُ جِمَالَةٌ صُفْرٌ » .