الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
309
نفحات القرآن
وفي الآية الرابعة ليس هناك ذكر للأبواب ، بل تركّز الحديث عن الطبقة السفلى من جهنّم ، وهو ما يظهر تعدد طبقات جهنّم ، إذ تقول الآية : « انَّ المُنَافِقِينَ فِى الدَّرْكِ الْاسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً » . يطلق في اللغة العربية على الخطوات الصاعدة نحو الاعلى اسم « الدرجة » وعلى النازلة إلى الأسفل اسم « الدركة » . وهذه الكلمة مأخوذة من المصدر « الدرك » وهو بمعنى بلوغ الشيء ونيله ، ولهذا يطلق على الحبال التي توصل مع بعضها لتصل إلى قعر البئر اسم « الدَرَك » وتسّمى أعمق نقاط البحر أو الأماكن الأخرى باسم « الدَرْك » على وزن ( فلك ) ، وعلى هذا الأساس وصف « الدرك » في الآية الشريفة ب « الأسفل » من باب التأكيد والقيد التوضيحي . وعلى أيّة حال فهذه هي الآية الوحيدة الحاوية على إشارة لطبقات جهنّم ، ويمكن أن نطابق معها الآيات السابقة التي تحدثت عن أبواب جهنّم ، والنتيجة هي نفس ما أفادت به الآيات السابقة وهي أنّ أبواب جهنّم ليست في إزاء بعضها الآخر بل هي فوق بعضها طوليّاً ، إحداها فوق الأخرى . يقول الفخر الرازي في تفسيره بعد أن يُعطي معنى « الدرك » بأنّه أعمق نقطة في قعر الشيء : « فالدرك مايلحق به من الطبقة ، وظاهره أنّ جهنّم طبقات ، والظاهر أن أشدّها أسفلها » « 1 » . وممّا يسترعي الانتباه في هذه الآية أنّها حددت أسفل قعر جهنّم كمكان أسوأ للمنافقين ما يدل على أنّ « النفاق » هو أسوأ الذنوب ويستوجب الدرك الأسفل من جهنّم ، وسبب ذلك جلي فالخطر الذي يهدد المجتمع الإسلامي من جَرّاء وجود النفاق يفوق بمرّات عديدة الخطر القادم من الأعداء والكفّار الذين يبدون كفرهم وعداءهم علناً . وجاء في حديث شريف حول العلماء الفاسدين : « إنّ من العلماء من يحّب أن يخزن
--> ( 1 ) . تفسير الكبير ، ج 11 ، ص 87 .