الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

263

نفحات القرآن

لما صرف عنهم من العذاب ؛ ثم ينادون : يا معشر أهل النّار ارفعوا رؤوسكم فانظروا إلى منازلكم في الجنّة فيرفعون رؤوسهم فينظرون إلى منازلهم في الجنّة وما فيها من النعيم ، فيقال لهم : هذه منازلكم التي لو أطعتم ربّكم دخلتموها . . . » « 1 » . وجاء في ذيل الرواية نفس هذا المعنى بشأن أصحاب النّار حينما يرون منازلهم في الجنّة فيكادون يموتون من الحسرة والغيظ . ونُقل في تفسير الدر المنثور حديث مشابه عن الرسول صلى الله عليه وآله ولكن بشكل مختصر « 2 » . إنّ وجود منزلين لكل إنسان يدل على الطبائع والاستعدادات الموجودة في كل إنسان بالقُوّة ، حيث يُحدّد منزله في الجنّة أو في النّار وفقاً لتلك الطبائع والاستعدادات ، ولا يتنافى هذا مع ما ذكرناه سابقاً من أنّه يبني تلك المنازل بعمله ويكملها من جميع الجوانب ، ويخرج كل تلك الاستعدادات من حالة القُوّة إلى حالة الفعل ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى فإنّ أهل الجنّة لا ينسون أبداً ذكريات الدنيا ، ويمكنهم معرفة قيمة وأهّمية كل هذه النعم والفضائل من خلال مقارنة أوضاعهم الحالية مع ما كانوا عليه في الدنيا . ذكرت الآيات ما يأتي : « وَأَقبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعضٍ يَتَسَاءَلُونَ * قَالُوا انَّا كُنَّا قَبلُ فِى اهلِنَا مُشفِقِينَ * فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ » . ( الطور / 25 - 27 ) ويُظهر هذا التعبير أنّ أصحاب الجنّة يتذكرون معاناتهم في الدنيا وشقاءهم ويقارنون بينهما وبين ما هم فيه ، ومن الطبيعي أنّ هذه المقارنة تُظهر لهم بوضوح عظمة النعم التي يتنعّمون بها . 3 - هل يوجد في الجنّة تكامل ؟ رغم أنّ جواب هذا السؤال قد اتّضح إجمالًا من خلال الإجابة عن السؤال السابق ، لكن

--> ( 1 ) . بحار الأنوار ، ج 8 ، ص 125 ، ح 26 . ( 2 ) . تفسير در المنثور ، استناداً لما ورد في تفسير الميزان ، ذيل آيات سورة الأعراف .