الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
261
نفحات القرآن
يمكن اعتباره قرينة على استمرارية التغير والتبدّل في الدار الآخرة أيضاً ، وأنّ أصحاب الجنّة كل يوم في شأن بإرادة اللَّه . وقد اطلق بعض المفسرين عبارة « كل يوم » وأعطاها عمومية أوسع لتشمل أيّام الدنيا والآخرة كليهما معاً « 1 » . جاء في حديث عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال : « إنّ اللَّه خلق جنّة لم ترها عين ولم يطّلع عليها مخلوق ، يفتحها الرب تبارك وتعالى كل صباح فيقول : إزدادي طيباً ! إزدادي ريحاً » « 2 » . وورد حديث آخر أيضاً عن الإمام الباقر عليه السلام : « إنَّ أهل الجنّة توضع لهم موائد عليها من سائر ما يشتهون من الأطعمة التي لا ألذّ منها ولا أطيب ، ثم يرفعون عن ذلك إلى غيره » « 3 » . تُظهر هذه التعبيرات وبكل وضوح أنْ لا رتابة في الحياة هناك ، بل في كل لحظة نِعم وعطايا جديدة . نختم حديثنا هذا بإشارة مقتضبة لأحد المفسرين حيث قال : « إنّ الآية تشير إلى تجلّي الحق في كل زمن فرد ونفس فرد على حسب المتجلّى له واستعداده ولا نهاية للتجلّيات » « 4 » . ولا شك في أنّ هذا الكلام لا يشمل كل مفهوم الآية ، بل يعبّر عن جزءٍ من مفهومها ( فتأمل ) ! ؟ 2 - أتعرف قيمة اللذة بفقدانها ؟ من المعروف أنّ « الفقدان » يبرز أهميّة « الوجدان » وبعبارة أخرى : أنّ النعم الإلهيّة والعطاء الربّاني يُعرف عند زواله ، فلو لم يكن للمرض وجود في العالم لما عرف أحد قيمة الجوهرة الثمينة لنعمة السلامة ، ولولا الخوف لما عرفت قيمة وأهمية نعمة الأمان . وعلى هذا فالجنّة التي تخلو من الفقدان والخوف والمرض والتعب ، ولا تعرف العوز
--> ( 1 ) . تفسير روح المعاني ، ج 27 ، ص 96 . ( 2 ) . بحار الأنوار ، ج 8 ، ص 199 ، ح 198 . ( 3 ) . المصدر السابق ، ح 199 . ( 4 ) . تفسير روح البيان ، ج 9 ، ص 300 .