الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

254

نفحات القرآن

« الجنّات » : جمع « جنّة » ولعل استعمال الجمع هنا لبيان أنّ لكل واحد من أصحاب الجنّة جنّة خاصة به فيكون جمعها جنّات ، والنعيم هو جمع « نعمة » لأنّ الجنّة تحوي دوماً أنواع النعم المادّية والمعنوية ، لا كمثل حدائق الدنيا التي تكون أحياناً مدعاة للتعب والمعاناة والألم وأحياناً سبباً للراحة والنعمة ، إضافة إلى أنّ حدائق الدنيا تضم كل واحدة منها نعمة واحدة لا جميع النعم . وما يسترعي الانتباه هنا هو أنّ اللَّه ذكرهم أوّلًا ، فقال : « اولَئِكَ المُقَرَّبُونَ » ومن ثم انتقل إلى ذكر « جنات النعيم » ومن الواضح أنّ جنات النعيم وبكل ماتزخر به من نعمة وعظمة لا تمثل في قبالة القرب الإلهي إلّاقطرة في بحر . وقد تكررت هذه الكلمة ( جنّة النعيم ، وجنات النعيم ) ، عشر مرات في الآيات الشريفة والتكرار دليل على التأكيد والأهميّة « 1 » . وتجدر الإشارة إلى أنّ الإنسان كلما اقترب في هذه الدنيا من مراكز القوى ازداد قلقه ، لأنّه يعيش دوماً في حالة من الوجل والهواجس والرعب خوفاً من تغيير آراء أصحاب القوّة بشأنه فيسقط ويتعرض لأشد أنواع العقوبة والتنكيل ، ولهذا يحذّر أهلُ المعرفة وكبار الشخصيات من « التقرّب إلى السلطان » ، وأمّا القرب من الإله فعلى العكس من هذا تماماً ، فلا يشعر بغير الاطمئنان واللذة الروحية والمعنوية ، وجنّات النعيم . وهناك قضّية تستدعي الدقّة أيضاً وهو ما ورد في الروايات العديدة التي جاءت في ذيل الآية الشريفة : « ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ » . ( التكاثر / 8 ) حيث فُسر « النعيم » ب « نعمة الولاية » « 2 » ، ومن هذا المنطلق فمن المحتمل أنّ جنّات النعيم هي جنّة الولاية ، ولاية اللَّه وأوليائه ، ومحبّتهم والاستضاءة بنورهم المعنوي .

--> ( 1 ) . المائدة ، 65 ؛ يونس ، 9 ؛ الحج ، 56 ؛ الشعراء ، 85 ؛ لقمان ، 8 ؛ الصافات ، 43 ؛ الواقعة ، 12 - 89 ؛ القلم ، 34 ؛ المعارج ، 38 . ( 2 ) . للحصول على مزيد من المعلومات عن هذه الأحاديث راجع كتاب بحار الأنوار ، ج 24 ، الباب 29 ، ص 48 وماتلاها .