الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

236

نفحات القرآن

وبعبارة أخرى ، جُعلت هذه الجملة إشارة إلى المستقبل المؤكد ، فكما ذكرنا أنّ اللغة العربية تعبر عن المستقبل المؤكد « المضارع المتحقق الوقوع » بالحال حيناً وبالفعل الماضي حيناً آخر . ويمكن الاستعانة بآيات سورة الانفطار لتأكيد التفسير الأول حيث جاء فيها : « انَّ الْأَبْرَارَ لَفِى نَعِيمٍ * وَانَّ الفُجَّارَ لَفِى جَحِيمٍ * يَصْلَونَهَا يَوْمَ الدِّينِ * وَمَاهُم عَنهَا بِغَائِبِينَ » . يتّضح من هذا التعبير أنّ « الصلي » يكون يوم القيامة إلّاأنّ جهنّم محيطة بالكافرين الآن ، رغم أنّ الحجب تحول دون احتراقهم في الدنيا ، لا سيما ما ورد في جملة : « وَمَا هُم عَنهَا بِغَائِبِينَ » فهو تأكيد مجدد على هذا المعنى ( فتأمّل ) . وتخاطب الآية الآخيرة منكري يوم القيامة قائلة : « كَلَّا لَو تَعلَمُونَ عِلمَ اليَقِينِ * لَتَرَوُنَّ الجَحِيمَ » ثم تضيف مؤكّدة : « ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَينَ اليَقِينِ » . ولو أننا أخذنا معنى الآية كما هو في الظاهر ( واعتبرنا « لو » شرطاً وجزاؤها « لترونّ الحجيم » ) لكانت تعني : إنّ الذين لديهم « علم اليقين » يشاهدون جهنّم وهم في هذا العالم ، وهذا الكلام يستلزم وجودها حالياً . أثار المفسرون ضجّة في تفسير هذه الآية ، واختار كل منهم طريقاً خاصاً وكأنّهم في الغالب لم يتمكنوا من هضم هذا المعنى وهو إمكانية إشارة هذه الآيات إلى مشاهدة جهنّم في الدنيا ، ومن ثم مشاهدتها في الآخرة . فنحن نرى عدم إمكانية اعتبار الآية مكرّسة تماماً للآخرة وذلك لأنّ جميع الكفار والمجرمين يرون جهنّم في القيامة وهذا ممّا لا يحتاج إلى الشرط ، ولهذا اعتقد جماعة بحذف جزاء الشرط هنا بل وادّعى الفخر الرازي اتّفاق المفسرين على هذا المعنى « 1 » . ولكن من البديهي أنّ هذا الكلام مبالغ فيه فليس هناك اتّفاق في الآراء بشأن هذه المسألة ، وعلى أيّة حال فقد اعتبر جماعة من المفسرين أنّ المعنى يكون هكذا : « لو تعلمون علم اليقين لما ألهاكم التكاثر » « 2 » .

--> ( 1 ) . تفسير الكبير ، ج 32 ، ص 78 . ( 2 ) . تفسير مجمع البيان ، ج 10 ، ص 530 .