الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
218
نفحات القرآن
وهناك نقطة أخرى أيضاً تسترعي الانتباه وهي أنّ تعبير « قرّة أعين » تعني برودة الأعين « 1 » . لأنّه من المعروف بين العرب أن « دموع الشوق » التي تنهمر عادة من الأعين عند الفرح الشديد تكون باردة ، على العكس من دموع الحزن التي تتصف عادة بالحرارة والحرقة ، لذا فإنّ العربي عندما يريد القول : إنّ الموضوع أو الحادثة الفلانية مدعاة للسرور والارتياح ، نراه يقول « قرة العين أو قرّة أعين » . وعلى أيّة حال فهنالك كلمات وآيات لا يبلغها عقل الإنسان مهما بلغ من التسامي ومهما ارتقى من الذُرى ، وكلما تعمّق لسبر أؤغوارها كلما توصل إلى مفاهيم وأبعاد جديدة ، حتّى يصل الفكر إلى مكان يقف عنده ويعترف بعدم القدرة على بلوغ أعماقه ، والآية التي نبحث فيها تمثل في الواقع إشارة قيّمة وذات مغزىً للنعم الروحية والمعنوية العظيمة لأصحاب الجنّة ، فهي تحمل بين طيّاتها هذا المفهوم وهو عدم استطاعة أي إنسان حتّى الأنبياء المرسلين والملائكة المقرّبين من بلوغ هذه الحقيقة ومعرفة ما أخفى اللَّه من جزاء لخاصة عباده ، ومن المؤكد أنّهم يبلغون درجات عالية من القرب إلى ذاته المقدّسة ومراحل رفيعة من وصال لقائه ومنازل سامية من عنايته وألطافه لا يدركها إلّامن بلغها . 11 - خلود نِعَم الجنّة وممّا يضفي على الجنّة أهميّة بالغة وقيمة معنوية كبيرة ويميّزها تماماً عن جميع النعم الدنيوية هو ( عدم إمكانية فنائها أو زوالها ) ، فلا قلق هناك من ذلك ولا خوف ولا وجل من انقطاعها ، فالإنسان مطمئن البال في هذا الجانب تماماً ، وهذا الشعور بالأمان يضفي على تلك النعم طعماً خاصاً . هذه الحقيقة يعرف معناها كل من ينال نصيباً وافراً من النعمة ثم تنتابه الهواجس الداهمة في إمكانية ذهابها ، فتمسي حلاوتها مرارة في فمه .
--> ( 1 ) . « قُرّ » في اللغة على وزن « حُرَّ » وتعني البرودة .