الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
207
نفحات القرآن
قال تعالى في القرآن الكريم : « لَايَسْمَعُونَ فِيهَا لَغواً وَلَا تَأْثِيماً * إِلَّا قِيلًا سَلَاماً سَلَاماً » . ( الواقعة / 25 - 26 ) فيُحيي بعضهم الآخر ، والملائكة أيضاً تسلّم عليهم ، والأهم من كل ذلك هو سلام اللَّه عليهم وما تحمله تلك التحيات من المحبّة والاخلاص والصفاء ، أجل ، إنّ مجالس أهل الجنّة فوّاحة بالحب والمودّة ، وإذا توفّرت مثل هذه الأجواء في أي مكان فهو نموذج من الجنّة . وجاء في موضع آخر من الكتاب المجيد : « لَايَسْمَعُونَ فيِهَا لَغْوَاً وَلَا كِذَّابَاً » . ( النبأ / 35 ) « اللغو » : في اللغة يعني الكلام الفارغ ، وبعبارة أخرى : الكلام الذي لا يتضمن أيّة أفكار أو معانٍ ، ويبدو أنّ الكلمة مأخوذة اصلًا من ( لغا ) وهو صوت زقزقة العصافير ، أمّا الضمير « فيها » : فقد أرجعه أغلب من فسر هذه الآية إلى أحد هذين الاحتمالين : الأول : أنّه يرجع إلى كلمة الجنّة . الثاني : أنّه يرجع إلى كلمة الكأس التي وردت في الآية السابقة لها . فإذا كان الاحتمال الأول فالمعنى واضح . وإذا صح الاحتمال الثاني فيكون المعنى أنّ شراب أهل الجنّة لا يسكر ولايسبب فيه أيلغو . لكن التفسير الأول أكثر انسجاماً مع معنى « فيها » والآيات الأخرى المشابهة ، وورد نفس هذا المعنى في آية أخرى أقصر وأكثر وضوحاً حيث يقول تعالى : « فِى جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * لَاتَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيةً » . ( الغاشية / 10 - 11 ) هناك آيات قرآنية أخرى تؤكد على هذا المعنى منها ( مريم / 62 ) و ( يونس / 10 ) . إضافة إلى ما ذكر ، يتنعم أهل الجنّة بكثير من المتع المؤنسة ومجالس الفرح والبهجة والأحاديث المسلّية والمزاح اللطيف كما يصفهم القرآن : « إِنَّ اصْحَابَ الْجَنَّةِ اليَوْمَ فِى شُغُلٍ فَاكِهُونَ » . ( يس / 55 ) تعني كلمة « شُغُل » أية حادثة أو حالة تشغل الإنسان ، ولكنها هنا تفيد معنى الحالة المسلّية التي تبعث السرور ، وذلك بوجود قرينة « فاكهون » وهي جمع « فاكه » وتعني