الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
204
نفحات القرآن
4 - الأخلّاء والأصدقاء الأوفياء ومن أهم اللذائذ الروحية الأخرى معاشرة الأصدقاء المخلصين والاخلّاء الذين يتصفون بالإيمان والسجايا الرفيعة ، ويفوح من أرواحهم عطر المحبّة والمودّة ، إنّ الجلوس مع هؤلاء لحظة واحدة يغمر النفس ببهجة لا توصف ، وتذكر الآيات القرآنية الشريفة أنّ أهل الجنّة ينعمون بهذه النعم فيجالسون الأخلاء ويتحدثون إليهم ، ولكن ما هي المواضيع التي تدور حولها أحاديثهم ؟ هذا ما لا يمكن التكهن به ، لعلهم يتحدثون في مواضيع يستحيل علينا إدراكها اليوم ، ولكن من البديهي أنّها من نوع الأحاديث التي تحيي القلوب . تطالعنا الآيتان بما يأتي : « وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ انْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ والصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً « 1 » * ذلِكَ الفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيماً » . ( النساء / 69 - 70 ) نعم ، إنّ الأخلاء في الجنّة هم خيرة ذوي الفضائل في العالم : كالأنبياء العظام والخلّص من أصحابهم والصديقين والشهداء والصالحين . ولو قارنا هذا مع ما يجري في هذه الدنيا حيث يضطر الناس في كثير من الأحيان إلى تحمل العذاب الناتج عن معاشرة أشخاص لا يجمعهم وإيّاهم انسجام أو ترابط ، يمكن حينذاك فهم طبيعة الأوضاع الموجودة في الجنّة . والذي يسترعي الاهتمام هنا أنّ الكثير من المفسرين قد نقلوا روايات عديدة بشأن نزول هذه الآية ، ننقل فيما يلي ملخّصها ( مع وجود بعض الاختلاف بين المفسرين في النقل ) : يروى إنّها نزلت في ثوبان مولى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ، إذ كان شديد الحبّ لرسول اللَّه صلى الله عليه وآله قليل الصبر عنه فأتاه يوماً وقد تغير وجهه ونحل جسمه وعرف الحزن في وجهه ، فسأله رسول اللَّه صلى الله عليه وآله عن حاله ، فقال : يا رسول اللَّه ما بي وجع غير إني إذا لم أرك اشتقت إليك واستوحشت
--> ( 1 ) . يرى البعض أنّ كلمة « رفيقا » جاءت هنا تمييزاً ولهذا وردت مفردة ، واعتبرها البعض الآخر حالًا . وان مجيئهامفردة ( مع أنّ الحال جمع ) إمّا لكون كلمة رفيق تعني المفرد وتعني الجمع أيضاً أو تضمنها لمعنى الجنس .