الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

202

نفحات القرآن

أبداً ، فهم في قصور الدر والمرجان أبوابها مشرعة إلى عرش الرحمن والملائكة يدخلون عليهم من باب سلام عليكم بماصبرتم فنعم عقبى الدار » « 1 » . وأخيراً تأتي تكملة هذا الموضوع في الآية الكريمة : « وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِمْ مِّنْ غِلٍّ اخْوَاناً عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ * لايَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَاهُمْ مِّنهَا بِمُخْرَجِينَ » « 2 » . ( الحجر / 47 - 48 ) وبما أنّ كلمة « غل » تحتمل الكثير من المعاني الواسعة التي تدل في الغالب على الصفات الباطنية القبيحة التي تعكر صفو الروح والجسد والعائلة والمجتمع ، لهذا يفهم من هذه الآية أنّ صدور أهل الجنّة خالية من الحقد ولا تحمل قلوبهم أيضغينة وعداوة وكبر وحسد ، فاللَّه قد نزع من قلوبهم كل هذه الصفات الرذيلة ، فسادتهم روح الاخوة والمحّبة . وما أجمل وألطف مثل هذه الأجواء الخالية من تلك الصفات التي يخيم عليها الحب والعطف والسلام والوئام . وحتى في الحياة الدنيا كلما أزيلت أمثال هذه الرذيلة من المجتمع كلما ساده الأمن والاستقرار ، وعلى العكس من ذلك كلما انتشر وجود أمثال هذه الظواهر في أيبيت أو مجتمع أصبحت مصدراً للنزاعات الدامية والمؤسفة وسبباً لزعزعة الأمن والاستقرار . وممّا يثير الاهتمام أنّ القرآن الكريم جعل الاستقرار الداخلي مكمّلًا للاستقرار الخارجي حيث يقول : لا يوجد في الجنّة تعب أو اضطراب ، وينعدم فيها الخوف من زوال النعم ، وهو الهاجس الذي يقلق بال الإنسان الذي ينعم بالخيرات ويكدّر عليه عيشه ، وكل هذه الأسباب تجعل من نعم الجنّة هنيئة مستساغة « 3 » .

--> ( 1 ) . بحار الأنوار ، ج 8 ، ص 194 ، ح 176 . ( 2 ) . « غلّ » مشتقّة من كلمة « غلل » على وزن « بَلَل » ، وتعني في الأصل النفوذ التدريجي للشيء ، ولهذا يُقال للماء الذي يجري ويتسلل بين الأشجار ( غلل ) ، وكذلك يقال للحسد والحقد والعداوة « غل » لأنّها تنفذ إلى القلب خفية وبالتدريج ، وكذلك يطلق على الخيانة اسم « الغلول » لهذا السبب . ( 3 ) . ورد ما يشابه هذا المضمون مع بعض الاختلاف الجزئي في : الآية 43 من سورة الأعراف ؛ والآية 35 من سورة فاطر .