الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

190

نفحات القرآن

يُخدمون لا أنّهم خدم للآخرين ، وإن كانوا غير مؤمنين فلا سبيل لهم . وتعبير ( مخلدون ) إشارة إلى بقائهم على حالهم فيبقون صغاراً دائماً لا يكبرون ولا يلتحون فهم على هيئتهم من حداثة السن والنشاط والحيوية . ولقد ورد نفس هذا التعبير بتوضيح أكثر وألطف ، قال تعالى : « وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلدَانٌ مُّخَلَّدُونَ اذَا رَأَيْتَهُم حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَّنثُوراً » . ( الإنسان / 19 ) وهذا شاهد آخر على أنّ المراد من ( ولدان ) هو نفس ( الغلمان ) الذين وصفتهم الآيات السابقة ب ( لؤلؤ مكنون ) ، وهنا وصفتهم هذه الآية ب ( لؤلؤ منثور ) . ولقد احتمل الكثير من المفسرين أنّ هؤلاء الغلمان هم أطفال المشركين والمؤمنين الذين رجحت كفة سيئاتهم ، فلم يؤاخذهم اللَّه سبحانه بأعمال آبائهم ولكن جعلهم خدماً لأهل الجنّة وهم مسرورون بذلك . ولو أخذنا بنظر الاعتبار ما أشرنا إليه سابقاً في تضعيف هذا الاحتمال ، وما الرواية التي نقلت في هذا المجال إلّارواية مرسلة لا أكثر . وجاء في تعبير آخر ( بصيغة المبني للمجهول ) يشير إلى المضيفين في الجنّة ، قال تعالى : « يُطَافُ عَلَيهِم بِكَأسٍ مِّنْ مَّعِينٍ » . ( الصافات / 45 ) ولقد ورد شبيه هذا المعنى بشيء من التفاوت كدليل على تنوع الموائد في الجنّة في قوله تعالى : « وَيُطَافُ عَلَيهِمْ بِآنِيَةٍ مِّنْ فِضَّةٍ وَأَكوَابٍ كَانَت قَوَارِيرَاْ » . ( الدهر / 15 ) ونقرأ تعبيراً آخر في قوله تعالى : « يُطَافُ عَلَيهِم بِصِحَافٍ مِّنْ ذَهَبٍ وَأَكوَابٍ » . ( الزخزف / 71 ) « صحاف » : جمع « صحفه » وعلى قول الزمخشري ( طبق ما جاء في مصباح اللغة ) : إناء مستطيل ( كبير ) ، وإذا أخذنا بنظر الاعتبار المادة الأصلية للكلمة والتي تعني الانبساط والاستواء ، فيمكن أن يكون إشارة إلى إناء يشبه ( الصينية ) . و « أكواب » : جمع ( كوب ) وهو إناء للشراب لاعروة فيه وقد يعبر عنه ب ( القدح ) أحياناً . والجدير بالذكر وعلى قول بعض المفسِّرين ( صحاف ) ( جمع كثرة ) و « أكواب » جمع « قلة » ، وهذا يعود إلى أن تنوع الأغذية وصحافها أكثر من تنوع المشروبات وأكوابها « 1 » ،

--> ( 1 ) . تفسير روح المعاني ، ج 25 ، ص 90 .