الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

177

نفحات القرآن

وقال تعالى في مكان آخر بعد الإشارة إلى بعض من أشربة الجنّة : « لَّايُصَدَّعُونَ عَنهَا وَلَا يُنزِفُونَ » « 1 » . ( الواقعة / 19 ) « يُصَدَّعون » : من مادة ( صداع ) على وزن ( رُباع ) وهو الصداع المعروف ( أي لا يأخذهم من شربها صداع ) ، وأصله ( صَدْع ) . فعندما يتعرض الإنسان إلى صداع شديد فكأنّ رأسه يريد أن يتصدع من شدّة الألم ، فتستعمل هذه الكلمة للتعبير عن آلام الرأس الشديدة . الخلاصة : أنّ خمر الدنيا رديء الطعم . . كريه الرائحة . . يجلب الصداع ويسبّب فقدان الوعي وضعف العقل . . ويسبب الكثير من الأمراض الجسمية والروحية ، وقد يعقبه حالة التهوع . . والتقي والآلام المعوية ، في حين أنّ خمر الآخرة شراب لذيذ منعش يزيد العقل ويعمل على تربية الجسم والروح وله نشوة روحية ومعنوية غير قابلة للوصف . 8 - الأكواب والصحاف والكؤوس ممّا لا شك فيه أنّ المطلوب الرئيس من الأغذية والأشربة هو نفسها لا الأواني ، ولكن بلا ريب أنّ لكيفية عرض الغذاء والأواني المستعملة فيها تأثير عميق في جذابية الأطعمة والأشربة وصفائها ومضاعفة اللذّة الناتجة منها ، لهذا السبب رسم القرآن الكريم وفي آيات عديدة صورة إجمالية عن هذه الأواني التي هي في منتهى الروعة والجمال في عبارات قصيرة عميقة المحتوى . إنّ جميع هذه الألفاظ والمعاني لا تمثل إلّاصورة باهتة عن الوضع هناك ، وإلّا فكل شيء هناك فوق حد التصور . قال تعالى : « يُطَافُ عَلَيْهِم بِصِحَافٍ مّن ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ » . ( الزخرف / 71 )

--> ( 1 ) . « ينزفون » من مادة « نَزْف » على وزن « حَذْف » بمعنى ذهاب الشئ بصورة تدريجية ومنه نزف الدم . . وهذا ما يفعله الشراب الدنيوي في وجود الإنسان ، إذ يحطمه تدريجياً .