الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

154

نفحات القرآن

وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمواتُ وَالْأَرْضُ اعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ » ، وهذه الآية كالتوطئة لذكر ما يذكره تعالى بعد من أوصاف المتقين ثم شرع ببيان هذه الأوصاف وقال : « الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِى السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الُمحْسِنِينَ * وَالَّذِينَ اذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا انفُسَهُم ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغفَرُوا لِذُنُوبِهِم » ، ووعدهم في نهاية الآية المغفرة والجنّة : « اولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَّغفِرَةٌ مِّنْ رَّبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِى مِن تَحتِهَا الْأَنهارُ . . . » . ( آل عمران / 133 - 136 ) « المسارعة » : هي الاشتداد في السرعة وهي ممدوحة في الخيرات ومذمومة في الشرور ، والمسابقة إلى المغفرة هي إشارة إلى السبق إلى أسباب المغفرة ، لذا فسرها البعض بالإسلام وقيل أداء الفرائض وقيل الهجرة وقيل الصلوات الخمس وقيل الجهاد وقيل التوبة والتي تعد كل واحدة منها من عوامل المغفرة الإلهيّة ، وتشكل هذه الأوصاف موجبات السبق إلى الجنّة والفوز بها ، ولقد أشارت الآيات بعدها إلى مسألة الانفاق والاستغفار والعفو والصفح والاحسان وكل هذه الأمور من الأسباب المهمّة للمغفرة ودخول الجنّة . ولقد ورد نفس هذا المعنى في قوله تعالى بشيء من الاختلاف حيث حَلَّ تعبير ( سابقوا ) محل ( سارعوا ) قال تعالى : « سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّنْ رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ » . ( الحديد / 21 ) ومن‌البديهي أن ( سارعوا ) من باب ( مفاعلة ) وتأتي بمعنى التسابق والنتيجة واحدة ( تأمل ) . ولكن بعض المفسرين فسروا ( سارعوا ) بمعنى المبادرة أو الاشتداد في السرعة ولم يروها من باب ( مفاعلة ) . على أيّة حال ، فإنّ هذه التعابير تدلل على أنّ الدنيا ساحة تسابق ، والهدف النهائي من هذه المسابقة هو الوصول إلى المغفرة والفوز بالجنّة وبهذه السعة التي وصفتها الآية الكريمة ، وسوف نتكلم حول ( سعة الجنّة ) في نهاية هذا الجزء إن شاء اللَّه .