الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

79

نفحات القرآن

48 - يومَ لا ينفعُ مالٌ ولا بنون 49 - يوم لا بيعٌ فيه ولا خِلالٌ ينعكس في هذين التعبيرين نداءان آخران متقاربان في الأفق حول أوضاع ذلك اليوم العظيم ، ففي التعبير الأول قال تعالى : « يَوْمَ لَايَنْفَعُ مَالٌ وَلَابَنُونَ * إِلَّا مَن أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ » . ( الشعراء / 88 - 89 ) وفي التعبير الثاني قال تعالى : « يَوْمٌ لَابَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ » . ( إبراهيم / 31 ) في الواقع أنّ رأسمال هذه الدنيا يتلخص في ثلاثة أشياء : المال والثروة ، والأولاد الراشدون ، والأصدقاء الأوفياء ، لكن معضلات المحشر وابتلاءاته المهيبة لا يمكن الخلاص منها بالمال والثروة ولا بمعونة الأولاد ولا الأصدقاء ، ولو افترضنا أنّ جميع أموال الإنسان تنقل إلى هناك وكان جميع الأولاد والأصدقاء إلى جانبه فهذا لا يحل حتى عقدة واحدة من مشاكله ، وذلك لأنّ المقاييس والمعايير هناك شيء آخر ، والمنقذ في المحشر هو الإيمان والعمل الصالح والقلب السليم ، القلب الخالي من أي شرك ورياء ولا يوجد فيه مكان لما سوى اللَّه . أغلب المشكلات في هذه الدنيا يمكن حلّها عن طريق المال والثروة وتقديم الفدية والخسائر والرشوة وما شابه ذلك بصورةٍ مشروعة أو غير مشروعة ، ويمكن حل كثير من المصاعب أيضاً بواسطة الجهود الإنسانية بالأخص الأولاد الطيبين والأصدقاء المخلصين ، وبناءً على ذلك فإنّ أغلب مشاكل هذا العالم تُحل بهذه السبل ، بينما لا يكون لهذه الأمور أي تأثير هناك . ولا شك في أنّ المراد من المال والأولاد هنا هو غير الأولاد الذين استخدموا في الطريق المؤدي إلى رضوان اللَّه ، أو الأصدقاء الذين يمكنهم الشفاعة عند اللَّه ، بل المراد هو أنّ هذه الأمور لو نقلت إلى هناك بمجرّدها فهي لا تغني شيئاً . ولذا جاء في قوله تعالى : « الْأَخِلّاءُ يومَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلّا الْمُتَّقِينَ » ! ( الزخرف / 67 )