الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

72

نفحات القرآن

ففي الآية الأولى قال تعالى : « يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرءُ مَاقَدَّمَتْ يَدَاهُ » . ( النبأ / 40 ) بما أنّ مسألة تصور الأعمال في ذلك اليوم العظيم ومشاهدة جميع الأعمال التي ارتكبها الإنسان في هذه الدنيا يُعتبر أمراً غير معقول لكثير من المفسرين فإنّهم فسّروا « ينظر » حيناً بمعنى « ينتظر » ، وحيناً آخر بمعنى مشاهدة كتاب الأعمال أو مشاهدة ثوابها وعقابها . والسبب الذي دفعهم إلى ذلك هو أنّ المفسرين في تلك العصور لم يمعنوا النظر في مسألة تجسّم الأعمال ، وإلّا فما الضرورة لهذه التقديرات والتأويلات ؛ وذلك لأنّ القرآن يقول : إنّ الإنسان سوف يشاهد بعينيه في ذلك اليوم كل ما ارتكب من قبل ، أي أنّ نفس أعماله التي فنيت مادياً في الظاهر لم تفن في الواقع وسوف تبقى وتظهر للعيان بصورةٍ ما ، وليس بالضرورة أن يراها جميع أهل المحشر ، كما جاء نفس هذا المعنى أكثر وضوحاً في الآية : « وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً » ! ( الكهف / 49 ) وورد نفس هذا المعنى بجلاء في الآية الثانية أيضاً قال تعالى : « يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً » . ( آل عمران / 30 ) وممّا يثير الاهتمام هنا هو ما قاله المرحوم « الطبرسي » في « مجمع البيان » في تعليقه على الآية الثانية ، قال : « فأما أعمالهم فهي اعراض قد بطلت ولا يجوز عليها الإعادة ، فيستحيل أن ترى محضرة » ، لذا ذهب إلى تفسيرين آخرين أحدهما حضور كتب الأعمال ، والثاني حضور جزاء الأعمال من ثوابٍ وعقاب . ولكن كما أشرنا في كتاب ( التفسير الأمثل ) ، أنّ أعمال الإنسان هي نوعٌ من الطاقة مثل جميع أنواع الطاقة الموجودة في العالم ، فإنّها لا تفنى أبداً بل تتغير اشكالها وهي باقية قطعاً . وقلنا أيضاً بأنّ تحوّل « المادة إلى « طاقة » والطاقة » إلى « مادة » كلاهما أمر ممكن من الناحية العلمية ، فعلى هذا لا مانع من بقاء أعمال الإنسان وتحولها في ذلك اليوم إلى مادة ، وظهور كل واحد منها على هيئة مناسبة لحاله ، وبناءً على هذا فإنّ الآيات المذكورة تُمثّل في الواقع جزءً من المعجزات العلمية للقرآن والتي لم تكن حين نزول القرآن معروفة لأحد ،