الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

66

نفحات القرآن

يتحدث القرآن المجيد - كما سيأتي في بحث « نفخ الصور » إن شاء اللَّه - عن نوعين من نفخ الصور : ففي النفخ الأول تموت جميع الاحياء الموجودة في الأرض والسماء ، وفي النفخ الثاني والذي هو نفخة الحياة يحيا الجميع ويتأهبون للحساب والكتاب ، لكن الآيات الأربع السابقة الذكر كلّها أو جلّها تتعلق بالنفخ الثاني أي نفخ الحياة في القيامة . ومهما يكن من شيء فإنّ هذا التصوير للقيامة من قبل القرآن يصور للانظار الوقائع العديدة التي تقع عند ذلك اليوم ، وهذا التعبير هو أحد التعابير العديدة التي تحتوي على معنىً دقيق والتي تصوّر للضمائر وقائع ذلك اليوم الصعبة المرعبة فتنبّهها من غفلتها . أمّا البحث عن معنى « الصور » ومفهوم « النفخ » والخصوصيات الأخرى فسوف نتناوله في محله إن شاء اللَّه ، ولكن ولأجل الاطّلاع على محتوى هذا التعبير نتطرق لذكر الحديث النبوي الشريف الذي يذكر مجموعة من تلك الوقائع والذي ورد في تفسير الآية الرابعة من بحثنا هذا ( الآية 18 من سورة النبأ ) : قال « معاذ بن جبل » سألت رسول اللَّه صلى الله عليه وآله عن تفسير الآية : « يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجاً » فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : « يا معاذ بن جبل سألت عن أمرٍ عظيم » ثم أرسل عينيه باكياً ، ثم قال : « يحشر عشرة أصناف من أمتي أشتاتاً قد ميّزهم اللَّه تعالى من جماعات المسلمين ، وبدلّ صورهم ، فمنهم على صورة القردة وبعضهم على صورة الخنازير وبعضهم منكسون ، أرجلهم أعَلاهم ، ووجوههم يسحبون عليها ، . . . . ، . . . . ، وبعضهم يمضغون ألسنتهم ، فهي مُدلاة على صدورهم ، يسيل القيح من أفواههم لعاباً ، يتقذرهم أهل الجمع ، . . . . ، وبعضهم مصلبون على جذوع من نار ، وبعضهم أشد نتناً من الجيف ، وبعضهم ملبسون جلابيب سابغة من القطران لاصقة بجلودهم ؛ فامّا الذين على صورة القردة فالقَتَّات من الناس - يعني النمام - وأمّا الذين على صورة الخنازير ، فأهل السحت والحرام والمَكس ، وأمّا المنكسون رؤوسهم ووجوههم ، فأكلة الربا ، . . . . ، . . . . ، والذين يمضغون ألسنتهم : فالعلماء والقصاص الذين يخالف قولهم فعلهم ، . . . ، والمصلبون على جذوع النار : فالسعاة بالناس إلى السلطان والذين هم أشد نتناً من الجيف فالذين يتمتعون بالشهوات واللذات ويمنعون حق اللَّه من أموالهم ، والذين يلبسون الجلابيب : فأهل الكِبْر والفخر والخيلاء » « 1 » پ .

--> ( 1 ) ذكر هذا الحديث عدد كبير من المفسرين مثل أبي الفتوح الرازي والقرطبي وروح البيان وقد أوردنا الحديث باختصار .