الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

53

نفحات القرآن

هذا فإنّ ذلك اليوم هو مصدر الألم والعذاب من عدّة وجوه ، من حيث الفضيحة ومن حيث الندامة والحسرة القاتلة ، ومن حيث أنواع الآلام الروحية الأخرى ، فمثلًا الإنسان الذي يرى الآخرين قد دخلوا الجنّة بواسطته في حين يجد نفسه من أهل النار ، وأليم لعدم إمكان العودة ثانيةً وأليم لدوام العذاب في ذلك اليوم . ومن الجدير بالذكر هو أنّ إحدى الآيتين السابقتين تحدثت عن المشركين والأخرى تحدثت عن الظالمين ، ونحن نعلم بأنّ الشرك نوع من الظلم ، وأنّ الظلم والاضطهاد أيضاً هو من دوافع الشرك على نوعيه الجليّ والخفيّ . 19 - يومُ الوعيد وردت هذه التسمية مرّة واحدة في القرآن المجيد بأجمعه حيث قال تعالى : « وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ » . ( ق / 20 ) ولا يخفى أنّ كلمة « وعيد » تكرر ذكرها في القرآن كثيراً ، ولكن التعبير ب « يومُ الوعيد » لم يرد إلّافي مورد واحد . كلمة « وعيد » اشتُقّت من مادة « وعد » ، قال الراغب في المفردات : « وعد » تستعمل في موارد الخير والشر معاً ، ولكن « وعيد » لا تستعمل إلّافي موارد الشر ، ولذا فسّرَها « ابن منظور » في لسان العرب بالتهديد ، وكلمة « ايعاد » جاءت بهذا المعنى أيضاً . على أيّة حال فإنّ هذا التعبير إشارة عميقة إلى جميع أنواع عقوبات يوم القيامة ، فهو إشارة إلى عقوبات المحشر وإلى محكمة العدل الإلهيّة وإلى عقوبات النار وجميع العقوبات الماديّة والمعنوية مثل الخزي أمام الناس والبعد عن فيض وقرب الرّب . وللمفسرين أقوال في مسألة نفخ الصور التي وردت في هذه الآية ، فهل هو نفخة الموت وانتهاء الحياة الدنيا ، أم هي نفخة عودة الحياة وبداية الآخرة ؟ ولكن جاء في الآية التالية لهذه الآية : « وَجَاءَت كُلُّ نَفْسٍ مَّعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ » . ( ق / 21 ) وهذا دليل على أنّ المراد منها هو النفخ الثاني وهذا اليوم ( يوم الوعيد ) هو نفس ذلك