الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

356

نفحات القرآن

الآية وَالتي يُعرض عليها آل فرعون صباحاً ومساءً هي نار البرزخ ، وذلك لأنّ ذيل الآية تحدّث عن عذابهم يوم القيامة بصورة مستقلة ، لذا فقد فسّر أغلب المفسرين هذه الآية بأنّها تشير إلى عالم البرزخ وعذاب القبر . ومن الجدير بالالتفات هو أنَّ الآية عندما تحدّثت عن عذاب البرزخ لآل فرعون قالت : « النّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوّاً وَعَشِّياً » ، لكنها عندما تحدثت عن عذابهم في الآخرة قالت : « ادْخِلُوْا آلَ فِرْعَوْنَ اشَدَّ الْعَذَابِ » . ويستفاد من اختلاف هذين التعبيرين ( العرض والادخال ) بأنّ المراد من النار هي نفس نار البرزخ ، إلّاأنّهم في البرزخ يشاهدونها عن بُعد فيعمّ القلق والهم وجودهم ، لكنهم يشاهدونها يوم القيامة عن قرب بواسطة الدخول فيها ، فهذه العقوبات تحلّ بهم في البرزخ صباحاً ومساءً ، بينما تكون مستمرة ومن دون انقطاع في يوم القيامة . وقد رُوِيَ عن النبي الأكرم صلى الله عليه وآله في هذا المجال ما يؤيد هذا المعنى بكلّ وضوح ، قال صلى الله عليه وآله : « إنَّ أَحَدَكُمْ إذا ماتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ فانْ كانَ مِنْ أهْلِ الْجَنَّةِ ، فَمِنْ الجَنَّةِ وَإنْ كانَ مِنْ أهْلِ النارِ فَمِنَ النّارِ ، يُقالُ هذا مَقْعَدُكَ حِيْنَ يَبْعَثُكَ اللَّهُ يَوْمَ القِيامَةِ » « 1 » . ويستفاد من هذه الروايات أنّ الأمر لا يختصّ بآل فرعون ، بل يشمل الجميع . وهل يعذب أو ينعّم أهل البرزخ عن طريق المشاهدة لجهنم أو الجنّة فقط ؟ أم يكون لهذين تأثيرٌ مادّيٌ عليهم أيضاً ؟ كما لو مرّ الإنسان بالقرب من حفرة من النّار فإنّ النار تحرق وجهه ، أو إذا مرّ بالقرب من بستان عامرة خضراء فيدبّ النشاط فيه أثر نسيمها المنعش العطر ، أم يثاب أو يعاقب بكلا الوجهين ؟ ( الروحي والجسمي ، والمراد هنا هو الجسم المثالي طبعاً ) . الاحتمال الثالث أقوى . ( فتأمّل ) . كما يجدر الالتفات إلى هذه المسألة أيضاً وهي أنّ ظاهر الآية يدل على أنّ آل فرعون

--> ( 1 ) رُوِيَ هذا الحديث في مجمع البيان ، ج 7 و 8 ، ص 6 عن صحيح البخاري ومسلم في تفسير ذيل الآية مورد البحث .