الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

325

نفحات القرآن

خطيباً فيهم فقال : « صبراً بني الكرام فما الموت إلّاقنطرةٌ تعبُرُ بكُمْ عن البؤس والضَّراء إلى الجنان الواسعة والنعيم الدائمة ، فأيَّكُم يكرهُ أن ينتقل مِنْ سجنٍ إلى قصرٍ » ؟ والّذي دعا الإمام لإلقاء خطابه هذا هو أنّه كان كلّما اشتدّ حصار الأعداء عليه وعلى أصحابه وكلّما حَمِيَ الوطيس كان وجهه أكثر اشراقاً ونفسهُ أكثر اطمئناناً ، هنا قال أصحابه لبعضهم الآخر : « انظروا إليه إنّه لا يبالي بالموت » ! فسمع الإمام هذا منهم فالقى عليهم الخطاب المذكور ، ثم أضاف إليه قوله : روى أبي عن جدي رسول اللَّه صلى الله عليه وآله أنّه قال : « إنّ الدُّنيا سجنُ المؤمن وجنّةُ الكافر ، والموت جسرُ هؤلاء إلى جنانهم وجسر هؤلاء إلى جحيمهم ما كذِبتُ ولا كُذِّبت » « 1 » . فالسّر في ملحمة عاشوراء وشجاعة الإمام الحسين عليه السلام وأصحابه ، التي لم يكن لها مثيل والتي سُجِّلت في التاريخ بأحرفٍ من ذهب لامعه ، يجب أن نبحث عنه في هذا الميدان أيْ الإيمان الراسخ لهؤلاء بالمعاد والحياة الآخرة الخالدة . 5 - إنّ تأثير الإيمان بالمعاد في إصلاح الأعمال بلغ من الوضوح حداً جعل أمير المؤمنين علياً عليه السلام يتعجّب ممن يؤمن بالآخرة ولا يسعى في إصلاح أعماله ، قال عليه السلام : « عجبتُ لِمَنْ يَعلمُ أنّ للأعمال جزاءً كيف لا يُحسنُ عَملَهُ » « 2 » . 6 - ونختتم كلامنا هذا بحديثٍ عميق المغزى عن مؤسس الإسلام النبي الأكرم صلى الله عليه وآله : عند حديثه صلى الله عليه وآله عن علامات أهل اليقين قال صلى الله عليه وآله : « ومن علائمه أنّه : أيقن بأنّ الجنّة حقٌ فاشتاق إليها ، وأيقن بأنّ النار حقٌ فظَهَر سعيهُ للنجاة منها ، وأيقن بأنّ الحسابَ حقٌ فحاسَبَ نفسهُ » « 3 » . إنّ الروايات المَرويّة في هذا المجال كثيرة جدّاً وما ذكرناه هنا ما هو إلّاقليل منها ، وتتفق جميعها على أنّ الإيمان بالدار الآخرة له أثر عميق في تربية الإنسان .

--> ( 1 ) بحار الأنوار ، ج 44 ، ص 297 ( باب فضل الشهداء معه وعلّة عدم مبالاتهم بالقتل ) ، ونقل المرحوم الصدوق هذا الحديث في كتاب « معاني الإخبار » عن علي بن الحسين عليه السلام في باب « معنى الموت » ص 288 . ( 2 ) غرر الحكم ، ج 2 ، ص 495 . ( 3 ) تحف العقول ، ص 23 .