الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
307
نفحات القرآن
جمع الآيات وتفسيرها الإيمان بالمعاد هو المحفِّز على عمل الصالحات : لقد عكست لنا الآية الأولى الرابطة الوثيقة بين الإيمان بالآخرة والعمل الصالح ، قال تعالى : « فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لَقَاءَ رَبِّهِ فَلْيعْمَلْ عَمَلًا صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً » . فالايمان بالآخرة طبقاً لمفاد هذه الآية يمكنه في الواقع أن يؤثّر في الإنسان من جهتين ، الأولى هي حثّه على العمل الصالح ، والأخرى على الإخلاص في العبودية . والظريف هو أنّ هذه الآية أطلقت على يوم القيامة عنوان « لقاء اللَّه » ، ونحن نعلم بأنّ هذا اللقاء المعنوي والشهود الباطني هو قمّة التكامل بالنسبة للبشر ، وتذكّر ذلك اليوم بإمكانه أن يوجد دوافعاً للاخلاص الكامل والعمل الصالح . ( وقد اصطلحوا على هذا بتعليق الحكم على وصف مشعر بالعلية ) . وهذه الملاحظة أيضاً جديرة بالاهتمام ، وهي أنّ التطرّق إلى رجاء المعاد بدل اليقين به ، إشارة إلى أنّ مسألة المعاد ، بدرجه بحيث إنّه حتى الرجاء بتحقُّقِهِ يكفي لوحده لكي يكون منبعاً لمثل هذه الآثار « 1 » . وبالإضافة إلى ذلك فإنّ الإتيان بصيغة المضارع « يَرْجُو » التي تدل على الاستمرارية ، ثم الإتيان بعدها بالأمر بالعمل الصالح والإخلاص بصورة مطلقة ، كل ذلك من أجل الدلالة على أنّ ذلك الرجاء وهذا العمل مقترنان ويحاذيان بعضهما على الدوام . كما يمكن الكشف عن هذه المسألة الظريفة من هذه الآية أيضاً وهي أنّ القرآن شبّه العباد بالمسافرين الّذين يعودون ليلاقوا محبوبهم بعد انصرام مدّة الفراق ، ومن البديهي أنّه يجب عليهم بأن يأتوا معهم بهدايا وأن يتصرّفوا بما يليق بهذا اللقاء كي لا يقفوا خجلين بين يدي الحبيب . جاء في بعض التفاسير في سبب نزول هذه الآية : إنّ رجلًا أتى النبي صلى الله عليه وآله وقال : إنني أحب الجهاد في سبيل اللَّه ولكنّي أحبُّ أن أبرز ما لديّ من مفاخر أمام الآخرين ، فنزلت هذه
--> ( 1 ) تفسير الميزان ، ج 13 ، ص 406 .