الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
29
نفحات القرآن
ومن الملفت للنظر أنّ التعبير ب « العود » جاء على لسان المشركين وجاحدي المعاد أيضاً : « فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِى فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَّرةٍ » . ( الاسراء / 51 ) والتعبير ب « المعاد » اخِذَ من هنا أيضاً ، بالطبع أنّ هذا التعبير دليل واضح على مسألة المعاد الجسماني ، وذلك لأنّ الروح لا معاد لها ، بل إنّها تحافظ على بقائها حتى ما بعد الموت ، والذي يعاد في يوم القيامة هي الحياة الجسمانية للجسم ، حيث تحل الروح بالجسم ثانية . والنقطة المهمّة التي تجب الإشارة إليها هي أنّ التشبيه هنا طبقاً للتفسير الوارد في آية بحثنا هذه هو تشبيه لأصل العود إلى الحياة ( أتى بهذا التفسير المرحوم الطبرسي في أول كلامه عن هذه الآية ، وورد هذا التفسير في روح البيان أيضاً ) . ولكن عدداً من المفسرين من بينهم الفخر الرازي في « التفسير الكبير » والعلّامة الطباطبائي في « الميزان » وصاحب المنار في تفسيره وآخرون قالوا : إنّ التشبيه هنا بالنحو التالي ، وهو أنّ اللَّه خلق الناس في البداية على فريقين : فريق مؤمن وفريق كافر ( انتخب فريق طريق الهداية تحت ظل هداية الأنبياء ، وانتخب الآخر طريق الضلالة تحت تأثير وساوس الشيطان ) وفي يوم القيامة أيضاً يحشرهُم على شكل فريقين : فريق مؤمن سعيد وفريق كافر شقي مستشهدين بالآية التالية : « فَرِيقاً هَدَى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ » . ( الأعراف / 30 ) والأعجب من ذلك هو أنّ الفخر الرازي جعل هذه الآية دليلًا على الجبر في السعادة والشقاء الذاتيين ! بينما لو دقّقنا النظر في آيات القرآن الأخرى المشابهة لهذه الآية لوجدنا أنّ التشبيه إنّما هو في مسألة الهداية بعد الموت لا في الهداية والضلالة الحاصلين في الدنيا ، جاء في قوله تعالى : « اللَّهُ يَبْدَأُ الخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِليهِ تُرْجَعُونَ » . ( الروم / 11 ) وفي الآية ( 27 ) من نفس السورة قال تعالى : « وَهُوَ الَّذِى يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ » . ( الروم / 27 ) وهناك آيات أخرى أيضاً تُعطي نفس هذا المعنى ( سورة يونس / 4 ، النمل / 64 ، العنكبوت / 19 ) .