الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

276

نفحات القرآن

5 - كيف يتلائم الجسم الذي من صفاته الفناء مع الخلود ؟ الإشكال الآخر الذي طرح في مسألة المعاد الجسماني هو أنّ الآخرة هي دار الخلد ، والآيات التي صرحت بهذا الخلود دليل واضح على الخلود يوم القيامة ، بينما نرى بالوجدان أنّ الجسم المادي - على أيّة حال - يبلى ويندرس ، وفي نهاية المطاف يصل إلى الفناء . فإذا ما تحقق المعاد بالجسم فسوف يحصل التضاد وهو نفوذ « الفناء » ، في عالم « البقاء » ، وسوف يخلد الجسم الذي من طبعه الفناء . وقد طرح هذا الإشكال المرحوم العلّامة الطباطبائي في شرح تجريد الاعتقاد بالنحو التالي : إن التناهي والمحدودية هي من ملازمات الجسم ، والقول بخلود نعم أهل الجنّة يستلزم عدم المحدودية وعدم التناهي « 1 » . الجواب : ليس من الصعب أيضاً الإجابة عن هذا السؤال ، لأنّه لا خلاف في كون الفناء والاستحالة والتفسخ من طبيعة الأجسام ، لكن هذا يتمّ في حالة عدم وجود الدعم المستمر من الخارج ، فإذا ما شمل الدعم الإلهي حال الجسم فإنّه من الممكن أن يحافظ على طراوته على الدوام وأن يبقى في حالة تجدد دائم . وهذا يشبه حال الشجرة التي ترمم خلاياها المتفسخة وتبدّلها بخلايا جديدة لتبقى طرية وجديدة على الدوام وذلك عن طريق تغذيتها المستمرّة على نوع خاص من الغذاء ، وهذا غير مستحيل . وبتعبير آخر : إنّ مقتضى الذات شيء ومقتضى العوامل الخارجة عن الذات شيء آخر ، والحديث يدور هنا عن خلايا الجسم التي من طبيعتها أن لا تعمِّر طويلًا أو التي تحصل على

--> ( 1 ) شرح التجريد ، ص 322 .