الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

249

نفحات القرآن

جمع الآيات وتفسيرها من التراب نخرجكم تارة أخرى تخللت الآية الأولى قصة موسى وفرعون ، لكن الخطاب كان من قبل اللَّه تعالى عندما أشار إلى الأرض في الآيات السابقة ، قال تعالى : « مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً اخْرَى » . فنحن جميعاً خُلقنا من التراب ، إمّا لأننا خلقنا من آدم وآدم من تراب ، وإمّا من أجل أنّ جميع الأغذية ( من نباتات أو حيوانات تتغذى على النباتات ) التي ينشأ منها لحمنا وجلدنا وعظامنا ، قد خُلقت من التراب فمن البديهي أن نعودَ جميعاً إلى التراب ونُبعث ثانيةً من التراب ، وهذا دليل واضح على إثبات المعاد الجسماني ، وهذا التعبير ، بالإضافة إلى كونه جواباً لمن يقول بعدم إمكان تحقق المعاد بعد تحلل الأجسام وتحولها إلى تراب ، وجواباً لمن غفلوا عن كونهم خلقوا من التراب ، فهو انذارٌ لجميع الطغاة والمستكبرين المتغطرسين أمثال فرعون وأعوانه لاعلامهم بأنّهم كانوا في بداية الأمر تراباً وسوف يعودون إلى التراب ويخرجون تارةً أخرى من التراب ويُحضرون في محكمة العدل الإلهيّة . إن أدنى تأمّل في مراحل وجود الإنسان يكفي لتحطيم غروره واحياء روح التواضع والتسليم أمام الحق في أعماقه . والآية الثانية جاءت على لسان النبي نوح عليه السلام حيث شبّه الإنسان بالنبات الذي ينبت في التراب ، قال تعالى : « وَاللَّهُ انْبَتَكُمْ مِّنَ الأَرْضِ نَبَاتاً * ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا ويُخْرِجُكُمْ اخْراجاً » « 1 » . إنّ استعمال « الإنبات » فيمورد الإنسان تعبير لطيف جدّاً ، والمراد منه هو لفت الأنظار

--> ( 1 ) تقتضي القاعدة في هذه الآيات بوجوب استخدام كلمة « انباتاً » التيهي مصدر لفعل « أنبتكم » لكن بعض المفسرين يرى أنّ هناك تقديراً في الآية على النحو التالي : « أنبتكم من الأرض فنبتكم نباتاً - أو - أنبتكم من الأرض انبات النبات » ( تفاسير الكبير ؛ وروح الجنان ؛ والميزان ) .