الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
233
نفحات القرآن
ولتوضيح ذلك يجب الالتفات إلى النقاط الآتية : اولًا : هل يوجد هناك عالمٌ وواقعٌ خارج وجودنا أم لا ؟ بالطبع إنّ وجود العالم الخارجي يُعد من الأمور البديهية ، أمّا المثاليون فقد أنكروا وجود عالمٍ خارجٍ عن وجودنا وقالوا إنّ كل ما نراه إنّما هو « نحن » و « تصوراتنا » ، ولا يوجد هناك عالم خارجي ، والعالم الخارجي ما هو إلِّاصور خالية من المحتوى تشبه الصور التي نراها في المنام عند الرؤيا فليس وجود العالم الخارجي إلّاكوجود تلك الصور لا غير ، وقد أخطأ هؤلاء في اعتقادهم هذا ، وأفضل دليل على ذلك إيمانهم بالواقع أثناء عملهم ، فكل ما يحملونه من نظريات مثالية ينسونها بمجرّد أن يخرجوا من مكتبة أفكارهم ويضعوا اقدامهم في شوارع وأزقّة محيطهم الاجتماعي المعتاد ، ويتعاملون مع كل شيء على أساس الواقعية ! . ثانياً : هل للإنسان علمٌ بالعالم الخارجي أم لا ؟ والجواب عن هذا السؤال بالإيجاب أيضاً ، وذلك لأنّنا نمتلك تصوّراتٍ كثيرة عن عالم الخارج ولدينا معلومات جمّة عن الموجودات المحيطة بنا أو عن المناطق النائية . وهنا نواجه هذا السؤال وهو : هل تحضر الموجودات الخارجية بأعيانها في ذواتنا ؟ وبالطبع فإنّ الجواب بالنفي ، فالذي يحضر في ذواتنا صور تلك الموجودات ، ونصل إلى إدراك الحقائق الخارجية بالاستفادة من خصوصية « معادلات كشف الواقع » الموجودة لدى الإنسان . إنّ معادلات كشف الواقع ، لا يمكن أن تكون مجرد خواص فيزياكيميائية بالنسبة للمخ ، وحتى لو كانت هذه الخواص نابعة حقاً من تأثرنا بالعالم الخارجي وناتجة عنه ، إلّاأنّ تأثيرها يشبه تأثير الغذاء على معدة الإنسان ، فهل تتمكن المعدة من الحصول على معلومات عن الغذاء بواسطة ممارستها الأفعال الفيزيائية والكيميائية عليه ؟ إذن كيف يتمكن ذهننا من إدراك العالمِ الخارجي ؟ ! وبتعبير آخر : إنّ العلم بالموجوداتِ الخارجية والعينية لا يحصل إلّابواسطة حلول هذه