الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
219
نفحات القرآن
أمّا الذين لم يتمكنوا من إدراك مغزى ومفهوم هذه الآية فقد اتبعوا رأي ضعاف الإيمان الذين عاصروا الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله وفسّروا هذه التعبيرات بمعنى خلود اسم الشهداء وخلود معتقدهم ! أو ما شابه ذلك ، بينما تُبطِلُ الآيةُ مثلَ هذه النظريات قطعاً ، وقد أكّدت على أنَّ للشهداءِ حياة خالدة ، ومن البديهي أن لا تكون هذه الحياة حياةً جسمانية وماديّة لأنّ أجساد الشهداء الداميةَ قد دُفنت تحت التراب ، فلن يبقى أمامنا إذن إلّاأن نعتبرها حياةً تختصّ بالروح عن طريق خلودها في البرزخ . وعلى الرغم من اصرار البعض - على حدّ قول صاحب الميزان على أنّ الآية نزلت في حق شهداء بدر ( وعلى رأي البعض أنّها تتعلق بشهداء أحد ) إلّاأنّ البديهه تفترض أنّ الآية ذاتُ مفهوم واسع وشامل ، يشمل جميع الشهداء دون أيّ استثناء ، بالإضافة إلى أنّها لا تنفي الانطباق على غير الشهداء أيضاً . وعلى أيّة حال فإنّ لهجة الخطاب في هذه الآية والآيات التاليهء لها تَدلُ على خلود أرواح الشهداء والتنعّمِ بالرزق المعنوي عند ربّهم وسرورهم الحاصل من نيلهم تلك النعم وذلك الفضل الإلهي ، وهذه الآيات تبطل جميع الآراء والتفسيرات المنحرفة . عن الشهداء في سبيل اللَّه أيضاً : ورد نفس هذا المعنى في الآية الثانية من آيات البحث بتعبيرٍ آخر ، والفرق بينهما أنّ الآية الأولى نزلت في شهداء أحد والآية الثانية نزلت في شهداء بدر ، إلّاأنّ محتواهما يدل على العموم والشمول ، وهناك فرق آخر بينهما هو أنّ الخطاب في الآية الأولى كان موجَّهاً للنبي الأكرم صلى الله عليه وآله أمّا في هذه الآية فقد وجَّههُ تعالى لعامة المسلمين ، قال تعالى : « وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ في سَبيلِ اللَّهِ امْوَاتٌ بَلْ احْيَاءٌ وَلكِنْ لَاتَشْعُرُونَ » . فعلى الرغم من احتواء الآية الأولى على تأكيدات أكثر على مسألة الحياة الروحية للشهداء من خلال ضمّها إلى الآيات الأخرى ، إلّاأنّ الآية الثانية بدورها تعبّر عن ذلك